الأربعاء، 10 مارس، 2010

لورينا , إلهة الحكى و التجوال



" لكى تجد نفسك , لابد أن تلقى بنفسك الى الطريق .. لن يكتمل سفرك إلا بضياعك "
, حكمة الصوفى تلك كان أول ما تذكرته أول مرة أستمع اليها , و لازمتنى فى كل مرة .. أثر الصوفى الشارد و أثر الضياع
و موسيقاها التى سكنت للأبد داخلى من أول مرة و فى كل مرة
- - -
عندما تستمع إلى" لورينا مكنيت " , تدرك أنها ليست مجرد موسيقى مختلفة تسمعها .. بل رحلة بحث قامت بها .. رحلة سحرية لنا من خلال موسيقاها الغامضة .. الحزينة لكن بسمو المعرفة .. سمو الصوفى .. و مع ذلك , يظل ذلك الاحساس ينتابك , إحساس عميق بأنك بتشبّه على موسيقاها ( أو ربما الموسيقى هى اللى بتشبّه عليك )
و ذلك فى نظرى سر جمالها , و جمال أى موسيقى .. ذلك الاحساس بالونس بينك و بين الموسيقى
ذلك الهدوء العميق بداخلك , كما لو كانت الموسيقى فى الاصل تعزف داخل روحك
ذلك الالتحام بين كل ما قرأت و تخيلت و رأيت و سمعت .. ما رغبت أن تعبر عنه لكن الكلمات لم تسعفك , و برقة و سحر غامض تجده فى تلك الموسيقى
إحساس يبدأ بالونس قبل أن يصبح حالة حيرة أو قلق ..
- - - - -
هى , بشعرها الذهبى و بشرتها الثلجية تبدو كساحرة الغابات أو إلهة من خارج حدود المكان .. إلهة الحكى و التجوال
موسيقاها تصبح بساطا سحريا يطوف تلك العوالم التى طالما أحسسنا بها و تخيلناها و قاربنا أن نلمسها أحيانا .. هى تجعلنا نراها مجددا و دون أن ندرى نكون معها فوق ذلك البساط السحرى لنشهد متعة الخيال عندما يصبح فنا
و متعة الوجود عندما يصبح موسيقى ....
و متعة الترحال عبر كل ذلك , عندما يصبح ضياعا

- - - - -
من الموسيقى السالتية Celtic الصافية بطعمها الرائق , مرورا ببلاد الاندلس العربية حتى جبال القوقاز و الموسيقى التركية تجدها فى موسيقاها .. ببساطة , كما لو كانت مزجت كل ذلك التاريخ و الحضارات بالوانها المختلفة على باليتة جديدة و بسحرها المدهش , حوّلت كل ذلك الى أنغام , فى كل مرة تسمعها لن تتوقف عن التخيل و التفكير و البحث عن مرايا نفسك أنت و أصداء روحك
- - - - -
لورينا مكنيت , فنانة غير عادية
ما عرفته أنها مولودة فى كندا ( البلد الملونة أخضر خلقة) فى 16 فبراير 1957 من عائلة تنحدر لاصول سالتية من ايرلندا و سكوتلاند , و أنها كانت تريد ان تصبح بيطرية لكنها تقول أن الموسيقى هى التى إختارتهاو من خلال ترحالها الدائم الذى تهواه تستقى موسيقاها
بدأت بأصولها هى , و سافرت لأيرلندا و عادت بألبومها الأول ذو الطابع السالتى الخالص ,
بعدها توالت رحلاتها لبلاد كثيرة للتعرف على روح و حضارة كل منها , و الموسيقى ضمن مجموع الفنون أفضل ما يعبر عن روح أى بلد ..
- - - - -
الى اسبانيا و بالتحديد Galicia ذات الطابع السيلتى و العربى فى آن و كان ألبومها المدهش The Mask and The Mirror
و الاغنية الأجمل Mystic's Dreamer
تسمع صدى الاذان و الناى جنبا الى جنب مع صوت الجرس و اصوات ابتهالات او صلوات قبل ان تغيب فى غموض قوطى عربى خالص, تندهش عندما تسمع صوت الطبلة العربية التى فيما يبدو وقعت فى غرامها و القانون و الدف و تجد نفسك تعيش أجواء قصص ألف ليلة و الرقص العربى فى قصور الاندلس أو بغداد
لورينا تكتب أغانيها بنفسها , إعتمادا على خبراتها هى سواء بالقراءة أو بالسفرغنت قصائد لشعراء أمثال ويليام بليك Dante's Prayer و ييتس الأيرلندى الأصيل Lullaby و لورد تينيسون , شاعر البلاط الفيكتورى .. غنت له قصيدته الاجمل عن ليدى شالوت The Lady Of Shalott
و فى هذا الالبوم غنت قصيدة من مسرحية العاصفة لشيكسبير Prospero's Speech
- - - - -

" أخبرنى أيها الشاعر عن أولئك الذين سافروا بعيداً....
بمقدمة الأوديسة تقدم ألبومها الأجمل فى نظرى 2006 An Ancient Amuse, و تبدأ هى رحلة جديدة , و أوديسة موسيقية
إستوحت موسيقى هذا الالبوم كما تقول بعد رحلاتها عبر طريق الحرير القديم ( الممتد من الصين شرقا حتى أوربا غربا) , جابت خلالها سهول منغوليا و بلاد الامبراطورية البيزنطية القديمة ..
قرابة العشر أعوام قضتها , تتعرف على موسيقى و ثقافة و حضارة تلك البلدان قبل أن تصنع تلك الأعجوبة بسحرها المختلف
سحر جمع الهارب السالتى مع العود العربى و القانون التركى و الكمنجة الاسكندفانية
لتشكل لوحة عن معارف البشر كلهم أو رحلة لا تنتهى فى تاريخهم العميق
لورينا مكنيت تغنى فى البلاط الإلهى .. و أنا دوما أتخيلها كساحرة طيبة , تستقى موسيقاها من كتاب الأسرار( و كتاب الأسرار ليس فحسب عنوان ألبوم لها )
باختصار , موسيقاها أو موسيقاها المتجول يجعلك تدرك أن العالم الذى عاشه و صنعه من قبلنا و عشناه نحن ليس كبيرا فحسب , بل عمقه أكثر بكثير , يمتد داخل كل منا الى ما لانهاية .....
و رحلة بحثها هى لن تننتهى
فى نهاية كل رحلة , تسمع صدى صوتها يردد مع الشاعر القديم و هو يهمس عبارته الأبدية
" كلهم مروا من هنا ...."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق