الجمعة، 13 أغسطس، 2010

العنف غباء


العنف كوسيلة لتحقيق العدالة ( العرقية ) لا هو بالعملى أو الأخلاقى.
غير عملى لأنه يقضى على الجميع, ويفضى إلى دمار شامل
فالقانون القديم المتمثل فى العين بالعين يجعل الجميع عمياناً.
وهو غير أخلاقى لأنه يسعى لإحتقار الطرف الآخر بدلاً من إكتساب تفهمه وثقته.. إنه يسعى للإبادة بدلاً من الهداية.
العنف غير أخلاقى لأنه يستمد قوته من الكُره بدلاً من الحب.
إنه يدمر المجتمع ويجعل الأخوة أمراً مستحيلاً.. يجعل المونولج ( الصوت الفردى الواحد) هو السائد بدلاً من الديالوج ( صوت الحوار).
العنف ينتهى بهزيمة نفسه.. 
يوهب المرارة فى نفوس الناجين والوحشية فى نفوس المدمرين.. "
                                          - مارتن لوثر كينج (1929-1986)


أعترض على مبدأ العنف لأنه عندما يبدو أنه يفعل الخير, فإن هذا الخير يكون
مؤقتا.. الشر الذى يسببه يكون دائماً "
                                        - مهاتما غاندى (1869-1948) 


"العنف ليس قتل الآخر فحسب. عندما نستخدم كلمة جارحة.. عندما نصدر إيماءة لنصرف شخصاً ما.. عندما نطيع من منطلق الخوف ؛ هذا كله عنف.
العنف إذن ليس مجرد سفك الدماء المنظم بإسم الإله أو بإسم المجتمع أو الوطن.
العنف أكثر مكراً, وأعمق بكثير من ذلك
                                       - جدو كريشنامورتى (1895-1986)




( العنف غباء
    العنف قاصر
لا يمكن أن يوجد مذهب أو دين إنسانى  يدعو إلى العنف, أو يبرره
  لأنه فى هذه الحالة لا يعترف بالإنسان, ولا يعنيه الوضع الإنسانى على الإطلاق
الدين الذى يستعين بالعنف لا يدعو إلى أخلاق أو فضائل بل يتداعى فى نهاية المطاف مع رذائل البشر )

الثلاثاء، 10 أغسطس، 2010

رمضان حلو عليكو.. والحياة أحلى لينا



     رمضـــــــــــــــــــــــــــان حلــو

إلى كل المسلمين و المسيحيين و اليهود والأحناف والصابئة و ما ملكت أيمانكم و ما ملكت شمائلكم
وكل الملحدين فى الأرض و السماء من الجن و الإنس و أشباهمها
و كل تجار الفول المدمس والتمرهندى والتمر لوحده والعرقسوس و الكنافة و القطايف
كل صناع و باعة الفوانيس الكهربية و الفوانيس البلاستيك
إلى كل المسحراتية الأرضية منهم و الفضائية
إلى الخال فؤاد حداد و عم الشيح سيد مكاوى

" كل عام و الجميع سعيد و مبتهج و حبوب "

تخيلوا
فقط تخيلوا
لو نزعنا من رمضان فوانيسه وزينته
و بهجة الأطفال وأغانيهم
وبهرجة زينة الشوارع والحوارى
لو نزعنا منه العرقسوس و التمرهندى و كل هذه المشاريب الملونة 

تخيلوا لو نزعنا منه سيد مكاوى البوهيمى وطبلته
و أشعار فؤاد حداد النصرانى
وصوت المدفع الصدىء العلمانى

لو نزعنا منه بوجى و طمطم
و فوازير فؤاد المهندس ونيللى ورفاقهما

لو نزعنا منه قنوات الدراما و المسلسلات التى تتعايش كطفيليات على عائل ضال
ومقاهى الليل وآخره وزحام الشوارع والتسكع المتشرد

تخيلوا رمضان بدون كل تلك التفاصيل التى يحتال بها العقل البشرى على أى نظام رتيب يقولب حياته
كل تلك الريفليكشينز التى يخترعها ويوجدها اللاوعى البشرى ليحتال بها على وعيه هو ويواصل الحياة

تخيلوا وتخيلوا وتخيلوا

تخيلوا رمضان بغير ليله المبتكر
تخيلوا رمضان بغير تفاصيل الحياة التى تصنع الحياة
تخيلوا رمضان لوحده
مجرد رمضان رَمِض

سادتى الأشاوس
تحيا الحياة 
و يسقط خلوف فم الصائم الذى بكل صراحة لا يحتمل مع أشياء أخرى كثرى

- - -
 نظفوا أسنانكم جيداً ومن عطش منكم فليتحايل ويشرب فى السر أو يتحامل و يشرب فى العلن, فليس هناك شهيد صوم, وربكم غفور رحيــم... !!

الجمعة، 6 أغسطس، 2010

كان الإله ليسميها إسلاماً وليست حياة ..!!



( إذا أراد الإسلام أن يثبت إنسانيته وتسامحه السامى
فعليه أن يذوب فى إنسانية العالم الموجود بالفعل
لا أن يتخذ موقفاً, ويفرض إنسانيته التى يتصورها على العالم كله
عليه أن يتوقف عن لعب دور المهرج الذى كان فى كل مكان 
والذى يعرف كل شىء
والذى يضطهده الجميع )

- - - - - - 



اللوحة " مذبحة تشيوس " رسم الفنان الفرنسى ديلاكروا
المذبحة قام بها العثمانيون عام 1822 .. قتلوا و عذبوا خلالها قرابة ال عشرين ألف من أبناء الجزيرة اليونانية.
بعدها بعامين إثنين توفى اللورد بايرون ( أعظم شعراء العصر الرومانسى الإنجليزى )عندما كان يشارك مع اليونانيين فى مقاومة الاحتلال اليونانى خلال حرب الاستقلال  
كان واحدا من مجموعة كبيرة من الكتاب و الشعراء و المفكرين حاربوا مع اليونانيين للانعتاق من قبضة الردة العثمانية وإنقاذ حضارة الإغريق القديمة.....


الخميس، 5 أغسطس، 2010

لماذا لا يتم إنتاج أفلام مسيحية ؟!

- الكفار الأنجاس -

لبعض الوقت كنت أشتغل صحفياً هاوياً فى إحدى صحف المعاندة أو المعارضة
و كان ثمة تساؤل يشغل بالى لبعض وقت أقل من بعض الوقت الذى إشتغلته صحفياً

( لماذا لم ولا يتم صناعة أى فيلم أو مسلسل عن أى شخصية غير مسلمة تواجدت فى تاريخ مصر الطويل
تاريخ مصر أطول وأكبر وأعمق مما قد يتصوره كائن فضائى يتابع ما تنقله الشاشة الفضية أو الذهبية أو البلاتينية
والتواجد الاسلامى المركز ليس سوى فترة صغيرة و تافهة بالقياس إلى عصور و حضارات و أحداث أعظم و أجل شهدتها مصر
لماذا لا ننصف التاريخ وننصف الحقيقة و نسرد الواقع كله

.. لماذا لم ولا يتم إنتاج أى عمل سينمائى أو تلفزيونى عن أى شخصية غير مسلمة وبالأخص مسيحية (أليسوا شركاء الوطنّّّّ !!) سواءاً كانت مشهورة أو غير مشهورة  ؟؟
لماذا لم تهتم الدولة بعمل فيلم أو مسلسل تاريخى عن العصر القبطى أو عصر الشهداء
أو سيرة عن نجيب الريحانى أو سلامة موسى أو لويس عوض أو فؤاد حداد  أو غيرهم كثيرين لم يتكرروا لا بالإسم و لا بالمعنى 

- فيلم وثنى إنتاج أمريكا المسيحية -

لا أتحدث عن كون المسيحيين مثلا أقلية موجودة و تعيش بيننا وتشاركنا حق (حق و ليس واجب أو منحة) المواطنة
ولا يعنينى كم هى النسبة الحقيقية لهم مقارنة بالمسلمين
وهى مهما تزمت المسلمون و(تباخلوا) فى تسخيطها وتقليلها ستظل نسبة موجودة على أية حال
و مهما أسرف المسيحيين وبالغوا فى زيادتها لن يغير من حقوقهم وواقع أنهم مواطنين شيئاً
لا يعنينى ذلك كله



مع أنه فى ذات الوقت لا أفهم كيف تقوم الدولة ( الدولة المدنية ) بإنتاج فيلم أو مسلسل يتحدث عن غزوات الإسلام (غزو من يغزو أى يحتل ) مثلا و تجبر المواطن المسيحى على مشاهدة هذا العمل صباحا فى شكل مسلسل و مساءا فى شكل فيلم
المواطن المسيحى  لا يعترف بالإسلام, بل يفضل تسمية نفسه قبطى حنيناً للعصر القبطى المصرى

لكن يعنينى فى المقام الأول تاريخ مصر الحقيقى وتراثها الثرى
يعنينى كل تلك الأحداث والمواقف التى مرت فى مصر و شهدتها أرضها 
وكونتها بهذا الشكل ( المتلخبط )
يعنينى وأتصور أنه يعنى كل المصريين ( التاريخ المصرى العتيق 3200 ق.م-2690 ق.م ) , عصر مينا ..
  التاريخ المصرى القديم أو عصر بناة الأهرام
 عصر الدولة الحديثة ( الإمبراطورية المصرية الحديثة ).. عصر أحمس و تحوتمس و حتشبسوت وإخناتون و توت عنخ أمون ورمسيس ( الأول-التاسع )
 تعنينى الإسكندرية و البطالمة و العصر الرومانى واليونانى و الهللينى
يعنينى عصر شهداء الإسكندرية
و العصر البيزنطى
والعصر القبطى و الرهبنة والأديرة
  
- فيلم إلحادى إنتاج غربى كاثوليكى -

أتذكر أننى أفصحت عن تساؤلى هذا لزميل أثق فى عقله أكبر سناً و خبرة, فنظر لى و بدأ يقول كلاما أتذكره الان جيدا لأنه  نفس الكلام الذى ذكره عندما أخبرته قبلها عن رغبتى فى الكتابة عما يحدث فى المؤسسة العسكرية أو الجيش من فساد وظلم  وفوضى وأمور التجنيد و المجندين المغلوبين على أمرهم .. و بلاوى يفيض بها هذا الملف الشائك المرعب
قال لى فى الحالتين كلاما كثيرا يفهم منه أن تلك الملفات أو الموضوعات لا يمكن التحدث عنها بأى شكل كان
حتى الجرائد المفرطة فى نقدها و الدسمة فى معارضتها لا تأتى على ذكرها
تخيلت أنه قانون مفروض على الجميع
هكذا  
لكنه لا قانون و لا أى شىء... مجرد تواطؤ بين الجميع.. فالأمر مفهوم لوحده
لا يصح التحدث عن الجيش, فهذه أسرار عسكرية و الأعداء يتربصون بنا !!
لا يصح التحدث عن المسيحين أو أى أقلية أو فئة (ضالة  و إعذرونى ) أو أى تصنيف آخر مهمش تحت أى مسمى..  فهذه فتنة طائفية و حض على الكراهية بين ذراعى جسم الوطن
هكذا
و لم أفهم صراحة
لم أتفق مع إتفاقهم
- الحاج مالكولم المسلم إنتاج مسيحى -

أعترف الآن أننى كنت ساذجاً عندما فكرت فى طرح هذا السؤال من الأساس
فالموضوع أكثر تعقيداً بكثير مما تصورت
كنت ساذجا
أرى سذاجتى الآن و أنا أتذكر كتاباً لمحمد عمارة, أحد الكتاب المعروف عنه أنه إسلامى تنويرى أو حداثى أو تجديدى ( من الآخر إسلامى طليعى .. مثل لوحات فاروق حسنى )
الكتاب كان اسمه أسلمة العلم على ما أتذكر
شىء آخر غير تعريب العلم
أصحاب تعريب العلم قفزوا فوق واقع أن مجتمعنا و بلادنا لا تنتج أو تعبأ حتى بالعلم و طالبوا بتعريبه..
تنبهت لسذاجتى عندما تذكرت عمارة الذى قفز فوق كل شىء و كل واقع وسرح بأسلمته ..
( نفسى أعرف مين أين يستقى هؤلاء السادة العقلاء أفكارهم؟!!؟)
أنا الآن مثله.. أقفز فوق كل واقع 
و أسرح بسؤالى مفترضاً أننا نحيا فى عالم مثالى 
يجعل من حقى أن أتذكر التاريخ وأحلم أن أرويه كما هو لإبنى من بعدى
فى العالم المثالى لا تصلح سوى الأحلام 
من يشاركنى السؤال و الحلم؟!

الأحد، 1 أغسطس، 2010

فيولين: جاشوا (1)

( كان يفترض بهذا الموضوع أن يكون مجموعة من التدوينات المستقلة المتفرقة, لكننى جمعتهم معاً توفيرا للوقت وتشككى فى سرعة الانترنت عندى و تشككى الآخر فى جدوى إنتظاره .. ) 




- - - - -

داخل  إحدى محطات مترو الأنفاق بواشنطن, كان ثمّة رجل يقف منزوياً فى أحد أركان صالة المحطة.. كان الوقت فى منتصف ساعة الذروة الصباحية والجو بارداً جداً
رفع الرجل كمانه و بدأ يعزف عليها.. بدا مندمجاً جداً مع أنغامه و غير عابىء بزحام البشر المنظم فى أرجاء المحطة

 ثلاث دقائق مرّت قبل أن يقترب رجل فى منتصف العمر منه بعد أن لاحظ عزفه .. أبطأ سيره و توقف لثوان معدودة قبل أن يواصل سيره بسرعة ليعوض وقته الضائع !!
دقيقة أخرى, و تلقى عازف الكمان أولى دفعات بقشيشه : دولار واحد ألقته إمرأة دون أن تتوقف أو تنظر له حتى
دقائق أخرى .. كان أحدهم يستند على الحائط و يستمع لعزفه.. قبل أن ينتبه ويلقى النظر ساعته ليبدأ السير مجددا .. واضح أنه تأخر عن العمل
الوحيد الذى إنتبه للعازف و أنغامه كان مجرد طفل صغير عمره لا يتعدى 3 سنوات .. كانت أمه تمسكه من يده عندما تسمر الطفل فى مكانه وراح ينظر للعازف وأمه تشده وتدفعه ليواصل السير.. الطفل أرضخ و انساق مع أمه لكنه كان ما يزال يدير وجهه نحو العازف خلال سيره
تكرر هذا المشهد بالتحديد مرتين على الأقل .. الطفل يجبر أمه أو أبيه على التوقف للحظات ليتفرج و يستمع إلى الموسيقى المنبعثة من الكمان
و فى كل الأحوال, كانت اللحظات تمر سريعا ويستسلم الطفل لليد القوية المتأخرة على العمل

خلال حوالى 45 دقيقة .. عزف الرجل ست مقطوعات من أجمل ما كتب فى الموسيقى الكلاسيكية منها أعمال لباخ
و مرّ عليه خلالها أكثر من ألف شخص.. أغلبهم كان فى الطريق للعمل
من بين هؤلاء الألف, ستة أشخاص فقط جذبهم المشهد و الموسيقى و توقفوا للحظة ليستمعوا إليها
و قرابة 20 شخص ألقوا إليه بأرباع الدولارات لكن دون أن يتوقفوا

جمع الرجل فى هذه الفترة 32 دولار
عندما إنتهى من عزفه.. صمت كمانه لكن لم يصمت صخب الزحام
حمل كمانه و رحل .. لم يلحظه أحد
كما جاء , كما رحل


خبر عادى ربما.. يذكرنا بالعازفين الهواة المتسكعين فى محطات المترو أو الحدائق العامة
طالما شاهدناهم فى الأفلام الفرنسية أو الأمريكية
و ربما يذكرنا على وجه التحديد ب"جيمى فوكس" فى الفيلم الجميل  The Soloist
لكن الخبر يصبح غير عادى على الإطلاق عندما نعلم أن قبل هذا اليوم بثلاثة أيام كان نفس هذا الرجل هو العازف الرئيسى فى إحدى حفلات الأوبرا,  و كان سعر التذكرة الواحدة لهذه الحفلة 100 دولار
و كان يعزف على نفس الكمان الذى يقدر سعره بأكثر من 3 مليون دولار  

لكنه فى هذا الصباح البارد و المزدحم, لم يجنى هذا الرجل اكثر من 23 دولار فى المحطة
و لم يعرف واحد من الألف الذين مروا عليه أنه النجم " جاشوا بيل"
واحد من أشهر الفرتيوزو إن لم يكن أشهرهم الآن
- بيل فى المحطة -

 و ما قام به فى هذا اليوم كانت فكرة تحقيق صحفى مميز نشر فى الواشنطن بوست عن الجمال والأذواق و أولويات الحياة
- - - - - -

للروائى الانجليزى المثير للجدل "سومرست موم "  قصة تسخر من نفاق أثرياء اليهود و عقدة النقص عندهم  وجهادهم العنيد من أجل الاندماج فى المجتمع الإنجليزى و الظهور كنبلاء حقيقيين أوأصليين لكن دون جدوى دائماً
( تبقى الذقن المجدولة غير قابلة للإنصهار !!)
تحكى القصة عن يهودى جمع ثروة هائلة من المضاربة فى البورصة, و نشأ إبنه مفتونا بالموسيقى و كان حلمه الأبدى أن يصبح فرتيوزو شهير للبيانو.. أمضى الوقت الطويل و الجهد الكبير فى سبيل حلمه ذلك .. و كان الجميع يشهد له بالتمكن و المهارة و الاحتراف لكنه أبداً لم يصل للمكانة التى يستحق معها لقب فرتيوزو !!
كانت تبقى "مسافة إصبع صغيرة" - كم يقول فى القصة - بينه و بين حلمه هذا, مسافة هينة و مستحيلة فى آن.. لم يتمكن أبداً من إجتيازها ..  فوضع حداً لحياته وانتحر !!
 مسافة موجودة دائماً و يحلم الجميع بإجتيازها ليخطو فى ساحة التميز .. بعدها يمكن الإشارة على من تخطاها وتسميته بالفذ
و هى فى "الفرتيوزو" Virtuoso أوضح ما تكون

الفرتيوزو هو العازف المنفرد الفريد.. وهو غير العازف الأول الموجود فى طاقم الأوركسترا نفسه  
وأصحاب هذا اللقب منقسمون بين آلة البيانو وآلة الكمان ( أجدنى أنا مشدوداً للكمان أكثر رغم جلالة قدر البيانو لكن الكمان يسحرنى أكثر لصوته القريب من الصوت البشرى و ثراء نغماته و الحميمية نفسها بين العازف و فيولينه ... و الموضوع يطول فى ذلك ) .. ثمة آلات أخرى مثل الفلوت أو التشيللو أو الهارب السالتى (فى الأصل فرعونى) لكنها قليلة وربما نحتسب العود عندنا ( السنباطى و نصير شمة مثلا )
لا يصل لمرتبة الفيرتيوزو إلا قليل, و هم دوماً معدودون على الأصابع فى العالم كله
وهم مخلدون فى التاريخ و تحاك حولهم الكثير من الأساطير ..
 منهم ديفيد هيلجوت  ( أفضل من عزف مقطوعات رحمانينوف المشهورة بصعوبتها الشديدة )
وفرانتس ليست ( الذى كسر عظام كفه يوما عندما حاول مط أصابعها أو " تطويلها" ليتمكن من التحكم فى مفاتيح البيانو أكثر) و هو نفسه المؤلف الشهير صاحب Hungarian Rhapsody و La Campanella و معبود الصبايا فى عصره !!
و باجانينى الذى لم تكن تبارحه فيولينته حتى فى فراشه
- رحمانينوف -

الفرتيوزو هو نجم أى حفل
و شهرته قد تفوق شهرة المايسترو نفسه أو قائد الأوركسترا
المايسترو يعلم ذلك.. لذلك يكون الحفل الذى يصادف فيه أداء كونشيرتو مثلا ( حوار بين الاوركسترا بكاملها و بين الالة التى يعزف عليها الفرتوزو ) يكون وقتا صعبا على المايسترو الذى إعتاد و تعوّد على كل التصفيق و كل الثناء  !!
الفيرتيوزو لا يحتاج إلى مايسترو أو نوتة ليتملى اللحن منها, فهو يحفظه ( و يحفظ قراءاته السبع ربما ) 
بعض قادة الأوركسترا العتاة يوفر على نفسه كل تلك الأحاسيس السيئة ولا يُضمن حفلاته أى كونشيرتو ليستفرد هو بكل الأضواء !!

جاشوا واحد من هؤلاء الكبار 
سمعت أنه أصبح فرتيوزو قبل أن يتم العشرين من عمره 
و شارك بالعزف مع أشهر الأوركسترا فى العالم
- - - - -


لا أتذكر المرة الأولى التى سمعت فيها عزف جاشوا بيل Joshua Bell ( البعض ينطقه جوشوا, لكننى سمعتهم ينادونه جاشوا خلال استضافته فى إحدى البرامج التلفزيونية )
ربما فى الفيلم الغريب The Red Violin , والأغرب من الفيلم ذاته و رحلة الكمان الفريدة, كان عزف الكمان فيه
و منذ المرة الأولى التى شاهدته فيها من زمن لم يفارقنى طيف هذا الكمان الأحمر
إن كنت شاهدت الفيلم فبالطبع ستتذكر معى هذا المشهد عندما وقعت الفيولينة فى يد الغجرية ( و إن كنت مثلى مفتون بصوت الكمان فتعلم ماذا يعنى كمان فى أيدى غجرية !!)
و من بعدها " بوب " العازف الشهير ( الموسيقى فى  الحفلة, و الموسيقى خلال مشهد الخيانة بعدما رجعت زوجته الكاتبة من روسيا )
كان بوب فى الفيلم كمن باع روحه للشيطان فعلا
و كنت و لا زلت مقتنع أن الفيولين يستحق لأجله أن تبيع روحك لكل الشياطين

هكذا, كانت المرة الأولى التى أسمع فيها عزفا مثل هذا
و كانت المرة الأولى التى تقع عيناى على اسم جاشوا ( السولويست عازف الكمان فى موسيقى الفيلم ) و قبلها كان عقلى قد فتن بعزفه المبهر

لا أدرى ما الذى يميز جاشوا بالتحديد  دون غيره من مشاهير الفيولينست ( عازفى الفيولين )
حتى أستاذ الأساتذة ومكتشف المواهب "إيزاك شتيرن" ( مكتشف بيرلمان ويو يو-ما أيضاً )
 بيرلمان المشهود له لا يسحرنى كما جاشوا  

( جمعنى لقاء ذات مرة مع إحدى عازفات الكمان فى الأوبرا و أخبرتها بشغفى بجاشوا مقارنة ببيرلمان رغم معرفتى بالفارق بينهما, فكما ذكرت بيرلمان أستاذ بامتياز
تفاجئت من ردها , فهى لم تستغرب رأيى لكنها قالت بيرلمان أستاذ نعم لكن لأنه استاذ ربما يهتم بحرفية الأداء و يظل محافظاً و مسيطراً على قواعد العزف بكل إتقان عكس بيل الذى تقمصته روح الشيطان فعلاً و يدع النغمة الشيطانية نفسها تقوده !!... ناهيك عن أن بيرلمان و عجزه المتمثل فى شلل الأطفال ربما يزيد توتره و يؤثر على صفاء أو روح عزفه )
ربما, و ربما عجزه ذلك يجعله يجاهد ليتشبث أكثر بالأرض عكس عزف بيل الطائر بخفة و حرية فى ملكوت الموسيقى  
 الفرق بين جاشوا و بيرلمان أو غيره كالفرق بين رفاييل و ميكلانجلوا
أو شيللر و جوته

علمت بعدها أن أسباباً عديدة صنعت هذا التميز و الإختلاف الذى تشعر به فى  عزف جاشوا
معظم عازفى الفيولين الأشهر يهوداً ( لا أعلم تفسير ذلك تحديداً )
بيرلمان نفسه مولود فى اسرائيل ( و ثمة إسرائيلى أشهر قبله إسمه " هوبرمان ", و هو من أسس أوركسترا إسرائيل الذى ينافس أوركسترا نيويورك أو لندن !! )
المهم أن جاشوا لا يعرّف نفسه كيهودى قح .. يقول عن نفسه أنه ينتسب إلى ألطف الفئات اليهودية.. مجرد إنتساب .. روحه حرة إذن
جاشوا لا يزال يقضى وقت فراغه فى ألعاب الفيديو جيم التى يدمنها .. روح طفل حرة
( ولا تخدعك صورته, فعمره تجاوز الأربعين!!)
وفوق ذلك كله, تبقى الفيولينة الساحرة التى يملكها و يعزف بها مجرد إمتياز وتميز فى حد ذاتها
معظم عازفى الفيولين المشاهير يملكون فيولينات عتيقة كما جاشوا و ربما أقدم و أفخم 
لكنهم لا يملكون روحه أو أياً من الأسباب الأخرى
هل تكفى تلك الأسباب ؟
لا أدرى
لكنها أقنعتنى ليصبح جاشوا النجم بامتياز .. و الفيرتيوزو الذى باع روحه للشيطان و إستبدلها بروح ساحر


الفيولين التى يملكها جاشوا تعود تاريخ صناعتها إلى قرابة الثلاثة قرون
و تقدر قيمتها بأكثر من ثلاثة مليون دولار 
و لها قصة طويلة من الأحداث الغريبة
كانت تعود ملكيتها إلى أحد العازفين المشهورين  قبل أن يكتشف سرقتها
و يتم العثور عليها
لتذهب إلى عازف آخر و تتم سرقتها مرة أخرى ...
قبل أن تقع فى يد جاشوا أخيراً
الذى طالما كان حلمه الوحيد أن يقتنيها فى يوم
و لم لا ؟ و هى فيولين ماركة ستراديفاريوس أو ستراد الأسطورة
نسبة إلى أشهر صانعى الآلات الوترية فى التاريخ كله, الإيطالى "أنتونيو ستراديفارى "
واحد من أشهر ثلاث عائلات إيطالية عاشت فى القرن السابع عشر تخصصت فى صناعة الفيولينات و الوتريات
عاش فى نفس المدينة و نفس العصر الذى عاش فيه صانع الفيولينات فى فيلم الفيولين الحمراء

لم يصدق جاشوا نفسه عندما وقعت الفيولينة الأثرية فى يده
و لم يمر وقت طويل حتى أخرج لنا أول منحوتاته الموسيقية الفاتنة Romance Of The Violin أعاد فيه عزف مجموعة من أحب الأعمال الموسيقية له ( أعمال لموتسارت و ديبوسى و شوبيرت و بورودين وغيرهم )
أعمال طالما عزفها و يحفظها عن ظهر قلب
لكنها مختلفة هذه المرة.. فهو يعزف بالفيولينة المقدسة التى طالما حلم بها
وكل تلك الأنغام الشائعة التى نعرفها نسمعها هذه المرة كأنها لم تكن قبل ذلك.. لم تتواجد أو نسمعها من قبل
موجود هنا ) أو تحميله تورنت هنا