الأربعاء، 30 يونيو، 2010

كتاب مالوش إسم و بلد مالهاش مستقبل



يحكى أن ( جحا ) كان يسير يوما فى أحد شوارع المدينة .. و خلفه حشد كبير من الأطفال يلاحقونه مستهزئين به .. مستهيفينه و قاعدين يغيظوا فيه.. حتى اكتشف جحا الوسيلة للتملص منهم .. فأخبرهم أن الدكان الموجود عند طرف المدينة يوزع شيكولاتة بالمجان , و فى رواية ( بونبون ) ( رواية غير مؤكدة لكننى رويتها لأننى أحب هذه الكلمة

و فعلا .. نجحت كذبة جحا على الأطفال وتركوه متسابقين نحو الدكان .. لحظات و كان جحا نفسه يهرول خلفهم لأنه تذكر أن كلامه قد يكون حقيقيا و تضيع عليه الشيكولاته أو ( البوبنون) !!!
( كذاب و صدق نفسه )
قصة قد تصلح لتفسير ظواهر كثيرة فى ثقافتنا و تكوينا العربى ( لعل أبرزها ربما فكرة الدين نفسها أو الطوائف الدينية التى نسمع عنها كل حين ).. بس مش دى الفكرة
جرب أن ترى المشهد الثقافى أو السياسى فى مصر بخلفية هذه الحدوتة !!
المدهش فى هذه الحدوتة أن لا فرق أذا كان الأطفال ناس كبار أو شعب أو أمة أو أو أو
أو ربما عندهم حق علماء الاجتماع عندما قالوا أن الرأى العام عقله عقل خصاية .. و فى مصر بالذات الشعب ليس إلا قطيع

- - - - -

منذ فترة طويلة, عندما كنت اشاهد الحوار بين العسيلى و خيرى رمضان أتذكر أنه كان ينتابنى إحساس غريب ( و أنا جاى لك فى الكلام مش تقلق )
إحساس إستغربته لأننى و بحكم قانون لا للعبث مرتين يفترض أن توقفت عن إتخاذ رد فعل إنفعالى من النوع العالى بخصوص ما يحدث فى هذا البلد الطيب الثيب
كان آخر فيض لتلك الأحاسيس منذ زمن عتيق عندما كنت ألمح الإعلان عن مقالة زغلول الكبير فى جريدة الأهرام
فيما يفترض أنها أكبر جريدة قومية و الجريدة الليبرالية و العلمانية الأولى أو على الأقل عقلانية ( مؤسسها علمانى ) ..
إحساس طبيعى أن يبدأ و ينتهى عندما تجد الأهرام تفرد صفحة كاملة و بالألوان لمقالات زغلول الساحر عن خدع القران العلمية
فى وقت بعده .. كانت نفس الجريدة ترفض نشر مقالات مفكر بحجم و إسم فؤاد زكريا الراحل
( و من فى مصر يتذكر فؤاد زكريا أساسا ؟!؟)


- - -

أحمد العسيلى مذيع مشهور.. موهوب ظريف و اسلوبه لذيذ و مسلى جدا .. خصوصا لما كان بيجى فى رمضان
هذا أمر عادى .. مصر ملآنة بالشباب الظريف و القنوات الخاصة عندنا تقوم على ظرف الشباب لا الأفكار

ما فهمته أن الحوار بين العسيلى و رمضان ( و رمضان صحفى كبير و مشهور أيضا ) كان عن أول كتب العسيلى الذى وصف كتابه بأنه كتاب أفكار و أن حلمه الكبير كان أن يصبح مفكرا كبيرا و يطلع فى التلفزيون ليتحدث عن أفكاره العظيمة الكبيرة التى و التى و التى و يقعد ( يلت ) مع العالم فيها
و هذا ما حصل و أصبح المفكر الكبير بإعتراف دور النشر و التلفزيون و الناس اللى بتدفع تمن الكتاب و الناس اللى بتدفع تمن الاعلانات

فى اليوم التالى شاهدت الكتاب فى مكتبة الكتب التى لم أعد أشترى منها ورقة ( سوى مجلة العربى الخالدة سم تايمز )
و كعادة دار الشروق اللئيمة كان الكتاب متغلف كأكياس اللحم المستورد .. عادة لا أفهم سببها و لا مصدرها
ربما لأن الواحد ممكن يفر الكتاب ابو 200 ورقة قطع صغير فى خمس دقايق و هو واقف , و يوفر حوالى 30 جنيه .. ثمن خرافى لكتاب لا يدل إلا على شىء واحد
و هى أن القراءة فعل عبيط فى هذا الزمن
ناهيك عن أن فضولى لم يكن لدرجة أن أدفع خمسة جنيه فى كتاب مثله
و لأننى متدين بالفطرة جلست أتعبد على جهازى, حتى حن عليا إله النت ( و هو إله حنون يلبى دعوة المؤمن اللى زيى دوما ) و بعت لى نسخة مجانية ( موجودة هنا اهى )
و بالفعل .. إنتهيت من قراءة الكتاب
لحظة
أنا لم أبدأ قراءته أساسا
أقصد فريت الكتاب بالماوس فى بتاع ربع ساعة
ربع ساعة
لأجلس بعدها و أتحسر
و ليت على الكتاب فحسب
الكتاب كان مجرد الحافز لتدفق الأفكار المخبوءة مسبقا
أفكار لا خلاص لها الا بضرب الدماغ فى الحيط ( على إعتبار إن الرصاص غالى )
و أقلها الإكتئاب المزمن




- - - - -

ما فهمته من الكتاب لا شىء و نقطة (.)
لكن من قال أن اللاشىء هى آخر درجات القياس
أسفل اللاشىء يوجد الماينس !!
أنا لن أحدثك عن الكتاب .. موجود عندك, تقدر تفره فى خمس دقايق
و إن كنت من النوع اللى إتربى على كتب ( العالم التانى الراحل. مصطفى محمود ).. فوفر وقتك, فالكتاب مجرد صورة أخرى من كتابات مصطفى محمود اللولبية النيماتودية
و العسيلى يبدو كنسخة شبابية و أكثر نشاطا أو حيوية و حداثة من أستاذه مصطفى محمود
إقرا مثلا ده
( أكيد كان بيحبنا لما خلق لنا كل الجمال ده .. و لما عمل لنا الفاكهة .. مليانة فيتامينات و مضادات أكسدة .. و خلاها حلوة و مسكرة عشان الناس تحبها و تاكل منها و تستفيد و اللى ما بيحبش الحاجات المسكرة عمل له حاجات مززه .. فيه كده؟؟؟ )
- لا, طبعا مش فيه
 ( فيه ناس مش لاقية رغيف عيش أساسا؟! )

بنظرى الكتاب و الكاتب لو كان لهما مكان, فلا يخرج عن جلدة كشكول خواطره فى درج مكتبه أو بالأكثر سور رياض أطفال
و إلا لو كان من حقه أن يسمى نفسه مفكرا كبيرا و يعلن أن أفكاره العظيمة ستثير الرأى العام كله و و و
فأعتقد مثلا و مادامت الأمور تقاس هكذا فإن عم حسنين بتاع الخضار على سبيل المثال أقل ما يوصف به أنه أحد أرباب الحكمة


- - - - -

ما الذى يحدث للثقافة فى مصر؟؟!؟!؟!؟

فى العادة عندما يكتب واحد عن أحد الكتب ( المسماة كتب مجازا ) ناقدا و مستغربا من نجاحها, يكون الرد الجاهز و المشهور أنه إما واحد من الاثنين: ناقم أو حاسد
و بالنسبة لى, يبدو أن إبليسة ( زوجة إبليس الحاقد ) أرضعتنى حقدا و حسدا يكفى العالم كله
نتذكر علاء الأسوانى
( الذى فى ليلة و ضحاها أضحى أديب مصر الأول, رغم أن أعماله غير مصنفة كأعمال أدبية من الأساس )
و الاخر الذى نسيت إسمه بتاع كتاب حواديت التاكسى
( كتاب كان فكرة جيدة و مبتكرة ككتاب إستعمال مرة واحدة فقط قبل أن نفاجىء و نصدم بحقيقة أن كل حوادتيه من شغل خياله هو, و كل سواقين التاكسى فى كتابه خياليين و كما قال هو الآخر فى برنامج تلفزيونى آخر .. له كتاب جديد أسماه رواية و طبعا بمعدل طبعة كل شهر .. و له مقال ثابت فى الشروق .. أضحكنى مرة عندما قرأت له فى إحدى تلك المقالات أنه لا يعرف روبى أو نانسى لأنه لا يسمع إلا أغانى السبعينات ( أيام فن المقاولات ), لكن يبدو أنه صاحب فكر هو الآخر و منهج لا أحيط به علما لقدراتى العقلية  المحدودة.. )
و نفس الأمر ينطبق على عمرو خالد - معذرة الدكتور عمرو- و أصداء مناقشته الرسالة لا زالت تتردد حتى الان كأنه فتح نيويورك !!

عمرو خالد المفكر
أحمد العسيلى المفكر أيضا
زغلول النجار العالم
مصطفى محمود العالم أيضا

مفكر فى إيه , و عالم بإيه .. لا أدرى
و أنا أتحدى أى من يقرأ أو يتابع هؤلاء أن يدلنى على فكرة واحدة حقيقية فى كتابات هؤلاء أو عمل واحد رصين أو أصيل ...

الغريب أنك تلمح التشابه العجيب بين أسلوب الجميع حتى لو إختلفت تخصصاتهم .. قارن مثلا بين العسيلى و عمرو و خالد و مصطفى الفقى
و قارن بينهم و بين الدعاة البروتستانت اللى فى  أمريكا اللى بيطلعوا فى التلفزيون

و أعود محاولاً فهم ماذا يحدث للثقافة أو الفكر عموما و كيف تتشكل فى بلادنا و من يتحكم فيها
و هلى هى ثقافة من الأساس أو فكر أصيل حقيقى الذى نشهده و نراه و نسمعه
هلى هى ثقافة حقيقية تلك التى لا تعرف وصفا للعلم أو التفكير العلمى إلا أنه التفقه فى الدين و شفراته أو البحث عن الفكرة خلف الشعوذة التى هى شعوذة أصلا
ثقافة لا زالت تطلق صفة عالم أو لقب علامة أو لفظة مفكر على من يفتى فى أمور الدين أو يسفسط فيها سواء من قريب أو بعيد

هل بعد ذلك يحق لنا أن نحلم بنهضة حقيقية أو تقدم على أى مستوى
و نحن لا نعرف الفرق بين الفكر الحقيقى و السفسطة
 بين علماء الفكرة و عارضى السكرة و السطل و الخبل


- - - - -

ذهبت أقص شعرى ذات مرة , فوجدت عند الحلاق أحد كتب مصطفى محمود.. و لا أتذكر عنوانه
إستغربت صراحة و إكتشفت بعدها أن الحلاق مثل الجميع ( و أنا منهم بشكل ما.. شكل مختلف) مفتونين بمصطفى محمود .. أنا مفتون بعمل الظاهرة فى الوعى الجماعى .. حاولت أن أعرف طيب ماذا يعجب الحلاق تحديدا فى كتابات مصطفى محمود ؟؟
- لا شىء .. لا شىء محدد .. إنه رجل عبقرى .. من أعظم عشرين دماغ فى التاريخ ..
- مين؟
- مصطفى محمود
- اه

سألت الحلاق عن أحمد مستجير .. و طبعا لم يعرفه .. لم يسمع عنه و لماذا أو كيف يسمع عنه .. ما عنده مصطفى محمود
( العلماء أولهم و آخرهم مصطفى محمود الذى لا أعلم تخصصه الحقيقى أو الأدبى حتى , و العلم يبتدىء و ينتهى عند برنامج العلم و الإيمان )
نفس الحلاق الذى يحفظ إسم و شكل عمرو خالد و لا يعرف من خالد منتصر أساسا أو أحمد خالد توفيق حتى ( الطبيب كاتب المقالات و ليس مؤلف روايات الرعب و هما واحد )
نفس الحلاق الذى يحرص على شراء الأهرام الأسبوعى ليقرأ مواقف أنيس منصور اللوذعية . و كل ما يعرفه عن و احد مثل سيد القمنى أو نصر حامد أبو زيد أنهما داعرين, عملاء للغرب و مستنصرين
و هو وصف  أطلقه أحد ( أساتذة الجامعة ) على مفكر و علامة إسمه لويس عوض عندما كتب كتاب  يرد فيه على كتاب عوض الموسوعى ( فى فقه اللغة العربية )
الكتاب الممنوع أساسا , بينما الرد الأرعن متاح لدى الجميع !!!


- - - - -

فى وقت آخر كنت أشاهد حلقة عصير الكتب .. ( و هو برنامج إستبشرت به خيرا .. لأول مرة يكون برنامج مخصص فقط للكتب و الثقافة و العنوان مأخوذ من عنوان مقالات علاء الديب عن الكتب و أنا من محبى علاء الديب .. و المذيع هو بلال فضل , و هو أينعم لا نعلم على وجه التحديد من أى عضو يستقى أو يستفى أفكاره بس أهو شغال لو حكمنا قانون النسبة و التناسب ) و ربما كانت بشرة خير كما ذكرت
عندما يستضيف أحد الشخوص المشهورة بفصامها العقلى و يروج لكتبه التى من نوعية صدام حسين لم يمت و أن شبيهه هو من مات و الدليل هو ( الشامة على وجه الشبيه ) و يقدم هذه الطفره العقلية بإعتبارها أخدى درر الفكر المصرى
أو عندما يقدم  إحدى الكاتبات التى إتهبلت على كبر و أصبح الجميع يعلم تماما أنها دخلت مرحلة الفساء الفكرى و لم تعد تملك من جيناتها الفعالة إلا اللسان الطويل و صفة الردح السائدة
أو اخرين لا تسمع حديثهم إلا و تلاحظ صلة القرابة بينهم و بين كثيرين شغلونا كثيرا قبل ذلك و لازالوا يسحرون العقول... منهم الطبيب المصرى الذى فضحنا عندما أعلن عن إكتشافه علاج للمياه البيضاء فى العين من العرق, إعتمادا على قصة يعقوب و قميص يوسف الذى رد له بصره
و قبله العبقرى الذى أطل علينا بسفر ضخم يخبرنا فيه أن الأرض لا تدور وأنها أكبر من الشمس ... سفر مخنوم بموافقة (علماء ) الأزهر ..
أنفسهم الذين منعوا نشر كتاب ألف ليلة و ليلة المنتشر فى كل بقاع الأرض الدائرة رغم أنف ابن باز
هذا ما وجدت عصير الكتب عليه
و كأنه أصبح أحد فروع المركز القومى للعلاج ببول الإبل !! أو أحد المراكز الثقافية المنتشرة على مصاطب البيوت


- - - - -

و لا أدرى
يبدو أن كل حاجة فى مصر بتمشى بالمقلوب

و إذا كان عندنا فى القرن الفائت مفكرين بحجم الأفغانى أو الكواكبى أو على عبد الرازق أو قاسم أمين أو طه حسين أو لطفى السيد أو سلامة موسى  أو عبد الرحمن بدوى أو جمال حمدان أو حسين فوزى أو يوسف إدريس أو لويس عوض أو فرج فودة أو فؤاد زكريا أو أو أو
مفكرين بحق
من العبث حتى ذكرهم الآن, لأنه قد يبدو كنوع من المقارنة بينهم
 كل واحد من هؤلاء العظماء لا يكفى كتاب واحد لسرد تاريخه أو أفكاره
و وصل بنا الحال لنشهد كيف يكون المشهد الثقافى نفسه مجرد هراء و خواء
و المثقفين و من يسمون أنفسهم أو يسميهم غيرهم مفكرين هم بكل جدارة عار على ثقافة إلانسان البدائى قبل أن يكونوا عار على المفكرين الأوائل
- - - - -

أنا متحير و لا أعرف حتى ماذا أقول أو كيف أصيغ كلامى
 كلما أفكر فى الأمر تزيدنى الكآبة كآبة
و أجد نفسى غير متفائل على الإطلاق أو مستبشر بأى درجة أو نوع من الخير

( طظ , محشى رز )

الصور من مجموعة صور كبيرة تحت اسم ( غرائب الشارع المصرى )