الثلاثاء، 2 نوفمبر، 2010

روائع المنحوتات: ديفيـد - ميكلانـجلو ... (2-1)





لا يأتى ذكر النحت إلا ويُـذكرمعه فى المقام الأول هذا التمثال الرخامى العملاق (517سم), الذى أبدعه عبقرى النحت الإيطالى "ميكلانجلو" (1475- 1564)
هذا التمثال ربما يكون أشهر تمثال فى التاريخ
وهو أكثر عمل فنى يعكس الصورة البهية عن فنون عصر الرينسانس أو عصر النهضة الأوروبية


طُـلب من ميكلانجلو أن يصنع تمثالاً عن النبى التوراتى ديقيد أو داوود
 فصنع للعالم تمثالاً ضخماً وغير تقليديّ, أشبه بمنحوتات الأبطال والآلهة اليونانية 



إبداع ميكلانجلو فى هذا التمثال كسر التقاليد المتّبعة فى تصوير الشخصيات الدينية

 فلم يقدم الصورة النمطية عن ديفيد المحارب الشجاع ممسكاً سيفه , ورأس "جالوت" المهزوم عند فدميه, أو خلال المعركة وهو يرمى مقلاعه مرة واحدة ليودى بحياة جالوت الملك الرهيب
لكنه قدمه من زاوية أخرى جديدة تماماً.. فى لحظة سابقة على المعركة..
يذكر البعض أن هذا التمثال يصور تلك اللحظة التى سبقت المعركة عندما كان جالوت يسخر من شعب ديفيد ويهينهم.. الأمر الذى أثار كبرياء ديفيد وبدأ يتقدم متحدياً جالوت الجبار.. وهو يحمل مقلاعه الصغير ( النبلة) فوق كتفه ويقف شامخاً أمامه فى إعتزاز وثقة 

هكذا ميكلانجلو لم يكن يرسم أو ينحت رسوماً دينية أو توضيحية كشأن الرسومات الدينينة
لم يكن يهتم بالبعد الدينى أو القصصى لكن إهتمامه كان ينصب على العمل الفنى نفسه
لكنه كان يرسم وينحت للفن فقط
منحوتاته وهذا التمثال على وجه الأخص يعكس الثورة الفنية التى طالت شتى مجالات الحياة من فنون وفكر وعلوم وإزدهرت فى الفن أول ما إزدهرت

فلم يكن إهتمام ميكلانجلو ( وهو المشدود إلى الفن الإغريقى وعظمته على حساب الفن المسيحى البابوى) بالتاريخ أو الحدوتة .. أو أى من ذلك لكن إهتمام ميكلانجلو كان للفن وحده ولأداء تمثاله وشكله
وهكذا ظهر التمثال مثالاً للفن الذى تميز به ميكلانجلو من القوة والحيوية والرهبة الغريبة التى تحيط به

 عندما ظهر هذا التمثال أول مرة فى شوارع فلورنسا فى خريف 1504 إنبهر به الناس للدرجة التى جعلتهم يغيرون المكان الأصلى الذى كان من المفترض أن يوضع فيه ..وأطلقوا عليه وقتها "عملاق ميكلانجلو"


- تبدو النسب أو الأبعاد التى صُنع بها التمثال غير متنساقة مع بعضها البعض
 كما تبدو فى جسم الأنسان العادى..

فالجزء الأكبر من التمثال تبدو نسبه أو أبعاده كبيرةً بالنسبة إلى النسب الطبيعية ...
كالرأس واليدين
يذكر النقاد أن سبب ذلك يرجع إلى أن ميكلانجلو صنع هذا التمثال بحيث يتم وضعه على قاعدة مرتفعة
  فيبدو التمثال متنساقاً ومتماثلاً عندما يشاهد من على بعد مناسب -


بدأت فكرة هذا التمثال فى عام 1501, وهو نفس العام الذى عاد فيه ميكلانجلو من روما إلى بلده فلورنسا
 عندما طلبت نقابة تجار الصوف ( وهى المسؤولة عن ترميم وتزيين كاتدرائية سانتا ماريا فى فلورنسا التوسكانية) من الفنان الشاب نحت هذا التمثال

ودفعت اليه بلوح ضخم من الرخام ..



فى عام 1991.. حاول أحد المختلين
تحطيم التمثال بإستعمال مطرقة أخفاها تحت ملابسه
 لكنه لم يصيب سوى إصبع فى قدم التمثال..  
 هذه الحادثة هى التى وفّرت للخبراء الفرصة لفحص عمر التمثال
وتحديد المنجم الذى أخذ منه الرخام 


كان هذا اللوح قد جُـلب إلى فلورنسا قبل 40 عاماً من أحد المحاجر الجبلية فى "كارارا" شمال إيطاليا
  وكان فى الأساس مشروعاً لـ 12 تمثال تصوّر شخصيات توراتية فى العهد القديم.. وكان القائم على المشروع وقتها النحات الآخر "دوناتيللو" , لكن المشروع لم يكتمل لوفاة دوناتللو العجوز
وظل اللوح يتنقل من فنان إلى آخر حتى إستقر أخيراً ومشوّهاً بين يدى الشاب ذى الـ 26 عام " ميكلانجلو"
الذى بدأ العمل فيه فى عام 1501 وانتهى منه بعدها بـ3 أعوام  فى سبتمبر 1504 




كان ميكلانجلو قد غادر فلورنسا مضطراً مثل كثيرين من الفنانين بعد أن إختفت معالم البهجة والحياة وتدهورت الأوضاع فى فلورنسا 
توفى راعى الفنون "لورنزو دى مديتشى" وإستولى على الحكم عدو النهضة الحياتية الأول والحاكم بأمر الرب الراهب "سافونارولا الرهيب", حارق الكتب ومدمر التماثيل العارية .. (الأبيحة) !!
لكن الأمر لم يستغرق الكثير حتى لفّت الدوائر عليه وماهى إلا أربع سنوات حتى تم إلقضاء عليه وإعدامه بأمر البابا نفسه
وعادت فلورنسا مهد ثورة الرينسانس ومدينة الفنون والثقافة والفكر تشع أنوارها من جديد
وعاد ميكلانجلو إلى فلورنسا المنتصرة من جديد لينحت هذا التمثال ويكون رمزاً لإنتصار روح الرينسانس فى فلورنسا القوية والمزهوة بنورها ونهضتها
 كل هذا كان حاضراً فى ذهن ميكلانجلو عندما كان ينحت تمثاله




إنبهرت الجماهير بالتمثال المعروض.. الأمر الذى دعى إلى تشكيل لجنة خاصة من الفنانين والمواطنين (كان منهم ليوناردو دافنشى وساندرو بوتيشيللى ) لإختيار مكان آخر غير الكاتدرائية يُـلائم التمثال العظيم
 وبعد سجالات عديدة وطريفة لا تعكس سوى الإفتتان بالتمثال والفن بشكل عام.. إستقر الرأى على عرضه فى الميدان الرئيسى فى المدينة أمام القصر القديم "بالاتزو فيكيو" والمعروف بقصر السنيورية أو مجلس المدينة 
الحرص الكبير على التمثال الضخم إستمرت عملية نقله إلى الميدان أربعة أيام

وكانت تلك هى المرة الأولى التى يُـعرض فيها تمثال عارى فى ميدان عام منذ عصور الرومان القديمة
وأكبر التماثيل العارية التى يراها الفلورنسيين منذ تلك العصور أيضاً


وظل هذا التمثال قائماً فى الميدان لمدة تربو على الثلاثة قرون قبل أن يُـقرر نقله فى عام 1872 إلى مكان آخر مغلق لترميمه وحمايته.. وبالفعل تم نقله إلى قاعة مجهزة للتمثال داخل أكاديمية الفنون الجميلة بفلورنسا ( وهى القاعة التى بنيت خصيصاً لإحتواء التمثال)

وبعدها فى عام 1910 تم وضع نسخة طبق الأصل منه فى الميدان الذى غادره


- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - 











هناك 3 تعليقات:

  1. موضوع جميل. انا اعلم ان المنحوتات الرومانية كان لها لون ولكنه تفتت واختفى. ولكن هل منحوتات مايكل أنجلو كان لها لون أيضا كما المنحوتات الرومانية؟

    ردحذف
  2. مرحباً Godless Saudi
    سؤالك شيق جداً يا عزيزى

    وددت لو أملك جواباً مؤكداً عليه

    نعم, كانت المنحوتات القديمة الإغريقية و الرومانية والمصرية القديمة ملونة وزاهية.. لأنهم كانوا يصوروا آلهتهم فيها ويخرجونها بأزهى صورة ديكورية ويعلقوا فيها الحلى والذهب أيضاً.. لكن لست متأكداً من منحوتات ميكلانجلو الملونة أو غيره من فنانى الرينسانس والنيوكلاسيك
    فالأمر كان مختلفاً جداً
    لا أملك مصدراً لكنى إعتقد أنها لم تكن ملونة أو مبرقشة
    وبخاصة هذا العمل.. فهو لا يحتاج إلى ألوان.. لو وجدت لغطت على تفاصيل المنحوتة

    ثمّة أعمال كان ينحتها ثم يترك لمساعديه عملية التفينش (التنظيف والتلميع فقط) ومافيش سيرة ألوان خالص

    هل تتخيل هذا التمثال ملوناً؟!!

    معذرة يا عزيزى..
    وأتمنى أن نجد تأكيداً لتلك المعلومة أو نفياً لها

    شكراً لمرورك
    وشكراً للسؤال الشيق

    ردحذف
  3. جميل جدا :)

    ردحذف