الأحد، 30 ديسمبر، 2012

لا ديمقراطية بلا علمانية.. مراد وهبة



هو مقال قديم, كنبه الفيلسوف والمفكر الكبير (والحقيقى) " مراد وهبة " قبل عام لكن إعادة قرائته والتذكير به كشأن كتاباته كلها , دائمأً مفيدة.. وهو يذكرنى بشكل خاص بمفكر آخر غيّبه الموت,العالم " أحمد مستجير" ومن المؤسف أن يكون بيننا قامة فكرية وتنويرية مثله لكن دون قراء له أو منصتون!!
- - - - -
"لا ديمقراطية بلا علمانية"
       -بقلم: مراد وهبة

 قرأت حديثاً لراشد الغنوشى، زعيم حزب «النهضة» التونسى، إثر فوز حزبه فى أول انتخابات ديمقراطية تجرى فى تونس. والحديث منشور فى جريدة «الشرق الأوسط» بتاريخ 1/11/2011، وقد جاءت فيه عبارات صادمة، هى على النحو الآتى: «نحن لا نحتاج للعلمانية من أجل الديمقراطية، فليست العلمانية والديمقراطية قرينتين لا تنفصلان. فهناك دول علمانية ديكتاتورية مثل الاتحاد السوفيتى. والفاشية كانت علمانية، وبورقيبة (الحبيب) وأتاتورك (كمال) علمانيان ديكتاتوريان».
والصادم فى ذلك الحديث أن «الغنوشى» يرى أن العلاقة العضوية ليست بين الديمقراطية والعلمانية إنما بين العلمانية والديكتاتورية. وتترتب على هذا الرأى نتيجة حتمية، وهى نفى العلاقة بين العلمانية والديمقراطية.
وأظن أن «منتدى ابن رشد» الذى تأسس فى القاهرة فى 17/3/2001 هو أول منتدى يتناول بحث العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية عندما ارتأى ضرورة تأسيس العلمانية فى مصر، فعقد سلسلة من الندوات كانت أولاها ندوة تحت عنوان «الديمقراطية والعلمانية» فى أول مارس 2006، وكان شعارها «لا ديمقراطية بلا علمانية». وحديث «الغنوشى» يجرى على الضد من ذلك الشعار الذى دعا إليه «منتدى ابن رشد»، الأمر الذى يستلزم إثارة أسئلة ثلاثة هى على النحو الآتى:
ما الديمقراطية؟
وما العلمانية؟
وهل العلاقة بينهما بالإيجاب أم بالسلب؟
نشأت الديمقراطية فى أثينا فى القرن الخامس قبل الميلاد، إذ قال رجل الدولة «بركليس»: «إن نظام أثينا نظام ديمقراطى». وإثر هزيمة أثينا من إسبرطة قال أفلاطون إن الديمقراطية هى سبب هزيمة أثينا، لأن الديمقراطى متقلب مع الأهواء، إذ ليس فى حياته قاعدة، فيتوهم أن خيره فى الحرية المسرفة، وعندئذ يقتله هذا الإسراف. ومن بعد أفلاطون توقف استخدام لفظ الديمقراطية لمدة ألفى عام، ثم استؤنف استخدامه فى القرن السادس عشر بعد الميلاد.
والسؤال إذن: ماذا حدث فى ذلك القرن؟
حدثت ثورة علمية، قام بها العالم الفلكى البولندى كوبرنيكس، ومفادها أن الشمس لا تدور حول الأرض، إنما الأرض هى التى تدور حول الشمس، وبالتالى لم تعد الأرض مركزاً للكون على نحو ما كان يتصور بطليموس، ومن ثم فإن الإنسان لن يكون مركزاً للكون. وعندما لا يكون الإنسان مركزاً للكون فمعنى ذلك أن الإنسان لم يعد فى إمكانه توهم اقتناص الحقيقة المطلقة، ويترتب على ذلك أن الإنسان لن يكون فى إمكانه إصدار أحكام مطلقة، بل نسبية. ومن هنا جاء تعريفى للعلمانية بأنها «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق».
وإذا توهم الإنسان ذات يوم أنه اقتنص الحقيقة المطلقة، فإنه فى هذه الحالة يقال عنه إنه «دوجماطيقى». ودوجماطيقى لفظ معَرّب من اللفظ اليونانى «دوجماطيقوس»، والمقطع الأول من هذا اللفظ وهو «دوجما» يعنى «المعتقد المطلق». الدوجماطيقى إذن هو نقيض العلمانى.
والسؤال بعد ذلك: مَنْ هو الدوجماطيقى فى مجال السياسة؟
إنه الديكتاتور، لأنه هو الذى يتوهم أنه وحده مالك الحقيقة المطلقة، وليس أمام الشعب سوى الإذعان له. الديكتاتور إذن ليس فى إمكانه أن يكون علمانياً. ومن هنا فقد أخطأ «راشد الغنوشى»، رئيس حزب «النهضة»، فى القول بأن ثمة علاقة حتمية بين العلمانية والديكتاتورية.
وإذا كانت الديمقراطية هى حكم الشعب بالشعب، وإذا كان الشعب متطوراً ومتغيراً، فإن تفكيره بالضرورة يكون علمانياً. ومن ثم تكون العلاقة حتمية بين الديمقراطية والعلمانية وليس بين العلمانية والديكتاتورية. ومن هنا يمكن القول بأنه «لا ديمقراطية بلا علمانية». وأضيف قائلاً: «لا ديمقراطية مع الأصولية الدينية لأن هذه الأصولية تتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وتكفر مَنْ يكون على نقيض هذا الوهم».
- - - - - - - - - - - - - - - 
 -المقال نُشر فى جريدة المصرى اليوم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق