الخميس، 27 سبتمبر، 2012

«دستور مفاخذة الصغيرة»: العهد القديم يعرِّض بنبى الله لوط



 
بكيبورد: خالد البرى
- - -
الصياغة القانونية حرفة. اقرئى هذه المادة المستحدثة فى دستور «مفاخذة الصغيرة» الذى يكتبه لنا قادة الأميين: «الذات الإلهية مصونة يحظر المساس أو التعريض بها، وكذا ذوات أنبياء الله ورسله جميعا، وكذلك أمهات المؤمنين، والخلفاء الراشدين».
أعلم أن هذه المادة ستثير للوهلة الأولى تساؤلات إذا اعترضتِ عليها، وستواجهين بتشكيك فى نيتك. لكن الحقيقة أنها أحد أبرز مواد الدستور تعبيرا عن العقلية الأمية التى صارت تحكمنا والتى لا تعى معانى الكلام، ودلالاته، إنما تأخذ بظاهره.
(١)
هل يمكن أن يفهمنى السادة الأفاضل معنى كلمة الذات الإلهية بألف ولام التعريف التى وردت فى هذه المادة؟ أى ذات إلهية؟ هل الرب يسوع المسيح -حسب عقيدة المواطنين المصريين المسيحيين- مصون من التعريض به طبقا لهذه المادة، بصفته هذه؟ هل الذات الإلهية للمواطنين البهائيين المصريين مصونة من التعريض؟ وهل التعبير عن الذات الإلهية على طريقة الصوفية يعتبر تعريضا بها؟ أم أنكم تعنون الذات الإلهية، حسب ما شرحتها العقيدة الطحاوية السلفية، بلا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل؟ الألف واللام تعنى شيئا متفقا عليه!!
إن مادة كتلك ستفتح بابا لا يغلق من الفوضى القانونية، من اضطهاد التنوعات داخل الإسلام السنى نفسه، فضلا عن الشيعة والأديان الأخرى. ولن أتحدث عن التراث الأدبى القديم الذى ستستخدم ذريعة للتخلص منه. أعلم أن الكتب لا تعنيهم شيئا.
(٢)
تخيلى أنك سافرت للعمل فى الخارج عدة سنوات. حين عدت وجدت ملصقا على باب بيت العائلة يقول: «يحظر التعريض بالأب فى هذا البيت». ماذا يتبادر إلى ذهنك؟
لو كنت مكانك لاعتقدت أن هذا البيت خرب، وأن وضع أبى تدنى فيه جدا. بصراحة، حتى لو كان هذا قد حدث، فإن الأمر يحتاج إلى عائلة من الحمقى لكى تضع ملصقا كهذا يقول للمارة «إننا فى هذا البيت لا نحترم أبانا من تلقاء أنفسنا، ووفق قيم متعارف عليها فى ما بيننا. بل إننا نحتاج إلى إجراءات تنفيذية لكى نجبر من فى البيت على معاملته معاملة حسنة». أما ماذا سيقول الغرباء، فهذه قصة أخرى.
إن مادة كهذه توجه أكبر إهانة لإله. أى إله هذا الذى يحتاج إلى مادة فى الدستور لكى يُحتَرَم؟ هذا أولا. ثم إننا عشنا قبل هذا، مئات السنين، متى تعرض أحد للإله بإهانة! حتى الملحدون فى مصر يحترمون إله المؤمنين من باب اللياقة المجتمعية، من باب الذوق الحضرى المعتاد. لماذا تريدون أن تتعاملوا مع الناس بفلسفة الإقطاعى مع عمال السخرة؟ لماذا تستكثرون على الناس التعبير عن حسن «أخلاقهم» بالدافع الشخصى!! هذه الجملة الأخيرة ليست جملة بلاغية عارضة، بل جملة مقصودة تماما كفارق أساسى بين فلسفتين فى النظر إلى الإنسان، وبالتالى النظر إلى المجتمع. فلسفة تعتبر الأفراد راشدين عاقلين، وأخرى تعتبرهم لا يحسنون التصرف إلا بسوط الرقيب.
(٣)
نأتى لبيت القصيد. أكاد أجزم أن الجزء الخاص بالذات الإلهية -على المشكلات التى سيسببها قانونيا- مجرد ديباجة وضعها الإسلامجية. وكل ما ينطبق عليه من تساؤلات طرحتها فى البندين السابقين ينطبق على صيانة ذوات «الـ» أنبياء (هل سيمنع الإسلامجيةُ العهد القديم لأنه يعرِّض بنبى الله لوط؟!!). أما بيت القصيد الذى صيغت هذه المادة من أجله فهو الجزء الخاص بالخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين. الإسلامجية يعتقدون الآن أن «الأعداء» اختفوا من الدنيا، إلا المسلمين الشيعة. هذا أولا. ثم إنهم لا يريدون أى مراجعة «تاريخية» لنسخة التاريخ الإسلامى التى يقدمونها. والتى لا يقتنع بها عاقل. وهذا ما تفتقت عنه أذهانهم لفرضها، لكى يستطيعوا أن يفرضوا علينا تمجيدها فرضا، ويخلقوا أمة من الأميين القابلين لأى شىء.
أما المدنيون فى لجنة الدستور.. فعايز أقول لكم الكلمة القبيحة التى تستحقونها، لكننى لا أجدها فى القاموس. أعجزتم قبح الكلمات.
- - - - -
- منشور فى جريدة التحرير
* الصورة من فريسكو خلق الشمس والقمر للفنان ميكلانجلو

(فقط أحب أن أُضيف أن الإله الذى يتوجّب الدفاع عنه, هو إله ضعيف لا يستحق أن يُعبد)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق