الاثنين، 24 نوفمبر، 2014

نقطة زرقاء باهتة


 
 " لا تبدو الأرض مثيرة لأى إهتمام عندما تنظر إليها من تلك المسافة البعيدة لكن أنظر مجدداً إلى تلك النقطة. إنها هنا. إنها الوطن. إنها نحن. عليها يوجد كل من أحببت. كل من عرفت. كل من سمعت عنه. كل إنسان قضى حياته. مُلتقى الفرحة والألم. آلاف الأديان اليقينية والعقائد والمذاهب الاقتصادية. كل صائد وكل لاقط ثمار. كل بطل وكل جبان. كل ناهض وكل مدمّر للحضارة. كل ملِك وكل مزارع. كل رفيقى حب. كل أب وكل أم. كل طفل يملؤه الأمل. كل مخترع وكل مستكشف. كل معلم للأخلاق وكل سياسي فاسد. كل  شخص مشهور وكل قائد أعلى. كل قديس وكل عاصى. كل هؤلاء فى تاريخ جنسنا البشرى.. كلهم عاشوا هناك، فوق ذرة غبار مُعلّقة بشعاع الشمس.

 الأرض مسرح صغير جدا في حلبة الكون الفسيح...تأمّل هذه القسوة اللانهائية التى مارسها سكان ركن صغير ، بالكاد يمكن تمييزه، نحو سكان آخرين في ركن أخر, كيف أصبح سوء الفهم مألوفاً لديهم. تأمّل توقهم لقتل بعضهم بعضاً، الحقد المشتعل والمتبادل بينهم. تأمل أنهار الدماء التى سالت بسبب هؤلاء الجنرالات والأباطرة، حتى يصبحوا أسياد اللحظة المسيطرين، فى جزء ضئبل فى نقطة.
 تلك النقطة الباهتة من الضوء تتحدّى المكانة الفريدة والأهمية المتخيّلة لأنفسنا و وهم التكريم الذى نحظى به فى الكون. كوكبنا هو بقعة وحيدة ضئيلة في ظلام الكون الهائل الذى يغلفنا.الأرض هى المكان الوحيد المعلوم لنا حتى الآن والذى يؤوى حياة. لا يوجد مكان آخر, يمكن لجنسنا أن يهاجر إليه، على الأقل فى المستقبل القريب. نعم, يمكننا أن نزور لكن لا يمكن أن نستقر بعد. سواء أحببت ذلك أو لا, فـالأرض، حتى اللحظة، هى المكان الوحيد الذى  نحيا فوقه.

لقد قيل أن علم الفلك هو تجربة تبعث على التواضع وتكوين شخصية. ربما ليس هناك ما يوضّح حماقة الإنسان أكثر من تلك الصورة البعيدة لعالمنا المتناهى في الصغر.
إنها,بالنسبة لي تؤكّـد لى ضرورة أن نتعامل بعطف مع بعضنا البعض, وأن نحمى ونعتز بتلك النقطة الزرقاء الباهتة, الوطن الوحيد الذى نعرفه."

--------------
 - مُترجم من كتاب (نقطة زرقاء باهتة) لـ"كارل ساجان".
 والصورة أخذها مسبار "فوياجر ٢ "عام ١٩٩٠ من مسافة تبعد عن الأرض حوالى ٦  بليون كيلومتر.

هناك 4 تعليقات: