السبت، 25 ديسمبر، 2010

أحمد مستجير... عالم إحترف الدهشة


بقلم: خالد منتصر
- - - - -


 - "دول فى عمر أحفادى"
  آخر جملة قالها د.أحمد مستجير أمام التليفزيون وهو يبكى على ضحايا الحرب اللبنانية، قالها لإبنه طارق قبل أن تنفجر شرايين المخ وينتقل صديقى وأستاذى العزيز العظيم عالم الهندسة الوراثية إلى العناية المركزة بإحدى مستشفيات النمسا مكبلاً بأجهزة التنفس الصناعى ليموت بعدها ويرحل عنا هذا الرجل الجميل الذى لابد أن أحكى لكم عنه، وتحكون أنتم عنه لأولادكم وأشقائكم، عن رجل عشق مصر حتى النخاع، عشقها بالعمل والعلم وليس بالأغانى والأناشيد.

 "إنه الحكيم الذى يشبه الطفل " هذا هو ماقاله الشاعر وليام كاوبر عن العالم الإنجليزى نيوتن، وهى عبارة تنطبق ربما بصورة أكبر وأدق على عالمنا المصرى الكبير د. أحمد مستجير، هذا الرجل الذى برغم إكليل الشعر الأبيض الذى يتوج رأسه إلا أن قلبه مازال يحمل شقاوة الأطفال ودهشتهم وبراءتهم، وهو قد إستفاد من هذا الطفل الكامن فى بناء صرحه العلمى الشامخ، فقدرة هذا الطفل الفذة واللامحدودة على الدهشة هى التى دفعته دوماً للتساؤل.


 - الطفل إبن الثانيه والسبعين عندما كان يتسلم أرفع جائزة مصرية ، ألمح غلالة دموع تغلف إبتسامته التى دوماً تنضح تفاؤلاً أراه أنا فى أحيان كثيرة غير مبرر ، وكأننى أسمعه يهمس بعد أن أنهكته المسيرة الطويلة " ياه معقول لسه فيه حد فى مصر بيقدر العلم والعلماء!! "، أرى قامته الطويلة التى لم تنحنى إلا للرب ولميكرسكوب المعمل، أراها تنبض بالمهابة وأيضاً بالخجل، ويده القوية الضخمة التى تصافحك فتتعطر بفتوتها إحتضنت الجميع بحميمية، وبشرته التى لفحتها شمس الوادى قرأ الكل عليها حروف العشق لهذا الوطن الذى مازال فى القلب برغم أن الكثيرين من حوله قد حولوه إلى مجرد ورقة بنكنوت وصفقة سمسرة، للحظة تجسدت ملامح الوطن فى ملامح وجهه وإختلطت تضاريس المحروسة بخطوط الزمن على لوحة جدارية ضخمة إسمها أحمد مستجير.


 - غلالة الدموع التى لمحتها تغلف المآقى يوم الجائزة لم تكن هى الأولى فى حياته، فالدموع والشجن لهما قصة طويلة مع د.مستجير، والبكاء كما أنه يغسل القلب فإنه أيضاً يحدد المسار ويرسم المسيرة، كان اللقاء الأول مع الدموع فى العاشرة من عمره وفى مدرسة المطرية دقهلية نهر شفيق أفندى مدرس اللغة الإنجليزية صديقه يوسف شطا عندما أخطأ فى إجابة أحد الأسئلة وزجره قائلاً " روح موت "، ومضت ثلاثة أيام ولم يظهر يوسف، وفى اليوم الرابع وصله خبر موته، وأيقن الصبى مستجير أن شفيق أفندى قد قتل صديقه فبكى بحرقة وقرر فى الفسحة أن يكتب خطاباً لأحمد ماهر باشا رئيس الوزراء شاكياً هذا القاتل، وفى جنازة صديقه كانت السماء تمطر، وشارك الطفل السماء فى بكائها على يوسف، ليظل د.مستجير طوال عمره على يقينه الثابت بأن الكلمات من الممكن أن تقتل، ولهذا فإنه يحمل للكلمات نفس القدر من الإحترام وأيضاً الخوف.

واللقاء الثانى مع الدموع كان عندما إلتقى الشاب أحمد مستجير إبن قرية الصلاحات بدكرنس بأطفال عزبة "الربعمية " المجاورة لقريته، كان حينها قد عين فى الإصلاح الزراعى بعد تخرجه من الكلية، وفى مشاويره اليومية كان يشاهد الأطفال وهم يجمعون القطن وكان يداعبهم بحب، يشم فى عرقهم عطر الوطن وقسوته أيضاً، نفح أحد هؤلاء الأطفال قرشين، ولم يعرف أن هذين القرشين يمثلان كارثة، فقد علم المفتش بهذه الحادثة وعنف الشاب مستجير قائلاً " لايصح أن تعامل الفلاحين هكذا لابد أن يخشاك الناس هنا حتى تحفظ هيبتك، لايجوز أن يحسوا أن لك قلباً رحيماً، ولاأحب أن أسمع أنك كررتها ثانية!!!!"،
بعد أكثر من نصف قرن لازالوا يعانون يا د.مستجير و لكن تري هل هناك من ينفحهم قروشاً قلية مثلما فعلت أنت؟!

 وبكى الشاب اليافع البرئ وصرخ " ياأيتها الشمس الغاربة، لماذا تكون الحياة هكذا؟، أيستكثرون أن يحظى منا فلاح ببسمة؟!، أو بكلمة حلوة، يكرهون أن يربت إنسان على كتف إنسان، يريدون أن يقتلوا فينا الطيبة وحب الناس" وتساءل "من نحن سوى الآخرين، بدونهم لسنا بشراً، لايصح أن نكون، أمن أجل خمسة عشر جنيهاً يقتلون فىّ الإنسان؟ "،

وقرر الشاب أن يهجر هذا العمل وأن يدوس على تلك الجنيهات الملوثة بآهات هؤلاء البسطاء وأن يشترى نقاء روحه، وعرف كما قال فى إحدى مقالاته أن الإنسانية قبل العلم وقبل الشعر.
وبعد أن حزم حقائبه إلى أدنبرة فى أواخر سبتمبر 1960 لإستكمال دراسته فى معهد الوراثه، كان هناك موعد آخر مع الدموع، ولكنها هذه المرة دموع الفرح عندما حصل على الدكتوراه فى 14 نوفمبر 1963، وبرغم أنه قبلها حصل على الدبلومة بشهادة الإمتياز لأول مرة فى تاريخ المعهد، وحصل أيضاً على ثقة أستاذه ألان روبرتسون، ولكن طعم العناد ورائحة التعب التى إنبعثت من حبر الرسالة التى لم يصوب فيها المشرف إلا ثمان كلمات فقط، كل هذا جعل الفرح مغموساً فى ملح الدمع والشجن، ولكن الدموع كانت أقوى وأغزر حين عاد بعدها إلى أدنبرة بحوالى ربع قرن مع زوجته وقاما بزيارة منزل أستاذه، وعرف منها قصة موته الميلودرامية حين كان يلقى بمحاضرته وفجأة صمت وصرخ فى الحضور من أنتم؟وأين أنا؟، وإنقلب طفلاً صغيراً يتصرف برعونة الصغار وحمقهم، إنه أصيب بمرض وراثى خطير، بكى أمام زوجة أستاذه وصرخ مردداً كلمات قصيدة فاروق شوشة:
كم أنت قاسٍ أيها الموت
كم أنت قاسٍ أيها الموت
، ومن يومها قرر أن تكون أهم سطور رسالة حياته هى دراسة الأمراض الوراثية للإنسان.

 - لأنه يحب البشر أحب علم الوراثة، ولأنه يعشق الحياة فقد جعل علم الوراثة عشقه ومهنته، ولم ينس د.مستجير طوال رحلته أن داخله شاعر، وظلت أصداء قصيدة الشاعر أودن تتردد داخله:
 العلم كالفن.. لهو.. لعب بالحقائق
 وليس لأية لعبة
 أن تدعى القدرة على حل أحجية الأحاجى:
 "ماهى الحياة الحقة؟"

ويظل اللغز يكبر ويكبر، وعلامة الإستفهام تخرج لسانها لعالمنا الجليل وتستفزه، وتستدعى كلمات "جوته" فى رائعته "فاوست":
إن من يصف ويدرس ماهو حى
يفتش عن الروح أولاً
فلايبقى بين يديه غير شظايا
تفتقر - يالوعتى –إلى رباط الروح.



وتقف هذه القامة العملاقة أمام أسئلة الحياة فى حيرة وقلق، ولكن برغم كل شئ وأى شئ لايفقد أبداً تواضعه الجم و دهشته الطفولية التى تجعله يردد كلمات نيوتن " لست أدرى كيف أبدو بالنسبة للعالم، ولكنى أبدو لنفسى كطفل يلهو على شاطئ البحر، يتسلى بين الحين والآخر بإكتشاف حصاة أنعم أو صدفة أجمل، بينما يقف محيط الحقيقة بأكمله غامضاً غير مكتشف أمام ناظرى ".
اسحق نيوتن


ولكى يسبح د.مستجير فى محيط الحقيقة كان عليه أن يتزود بزاد يكفيه فى رحلته المنهكة المليئة بالأنواء والأمواج، وكان فى كل محطاته "الألفة " دائماً، بداية من حصوله على بكالوريوس كلية الزراعة 1954، إلى أن حصل على جائزة مبارك، مروراً بعمادته لكلية الزراعة من 1986 حتى 1995، وجائزة الدولة التشجيعية 1974، ووسام العلوم والفنون 1974، وجائزة أفضل ترجمة علمية 1993، وجائزة الإبداع العلمى 1995، وجائزة الدولة التقديرية 1996، ثم وسام العلوم والفنون للمرة الثانية 1996، وجائزة أفضل عمل ثقافى 2000.
وكما سرق برومثيوس نار المعرفة ليهديها للبشر، أعطانا الحكيم الطفل شعلة الثقافة العلمية التى نذر لها حياته، أعطاها لنا فى عشرات الألاف من الصفحات التى خطها قلمه وأبدعتها قريحته، فقد بدأ د.مستجير مشوار التأليف والترجمة فى 1966 بكتابه مقدمة فى علم تربية الحيوان، ثم توالت الجواهر فى عقد فريد مازال يتلألأ على جيد الزمن، بداية من كتبه الجامعية حتى كتابه المترجم عن السوبرمان، مروراً بالربيع الصامت وصناعة الحياة وطبيعة الحياة وهندسة الحياة وعقل جديد لعالم جديد ولغة الجينات وبحثاً عن عالم أفضل والشفرة الوراثية للإنسان، والطريق إلى دوللى ومن يخاف إستنساخ الإنسان وهمس من الماضى ... الخ.

 -  أتذكر جيداً رده المفحم على أحد الأرستقراطيين عندما شتم الهندسة الوراثية وأخذ عليها إنتاج طماطم جامدة مش زى بتاعة زمان، رد عليه العالم بحسم إحنا عايزين نأكل الناس الفقرا اللى بيزيدوا بالملايين فلازم نعمل طماطم تستحمل حتى ولو كان طعمها مش زى زمان، رد إنسانى قبل أن يكون رداً علمياً، فهو يبحث ويكتشف لكى يأكل الغلابة لالكى يجعل علمه مطية لرفاهية أغنياء الحرب وأثرياء العصر الجديد ، وحتى تأملاته أخضعها لمصلحة الناس البسطاء ففى إحدى سفرياته على الطريق الصحراوى إلى الأسكندرية لاحظ كثافة الغاب والبوص فى الملاحات ونموه برغم نسبة الملح المرتفعة، فلمعت فى ذهنه الفكرة التى ينفذها الآن فى الفيوم بإمكانية زراعة القمح والأرز فى الأرض المالحة بالتهجين الخضرى مع الغاب، وحلمه الذى أراد تنفيذه بأسرع وقت هو إثراء الفول البلدى بحامض الميثونين الأمينى لتقترب قيمته الغذائية من اللحم أى أنه يريد تحويل طبلية الغلابة والحرافيش إلى سفرة البهوات والمستورين،
 وكان من أحلامه أيضاً إدخال جين مقاومة فيروس الإلتهاب الكبدى أكبر عدو لأبناء المحروسة إلى الموز، وغيرها من الأحلام التى هاجسها الوحيد فقراء هذا الوطن الذى يتخلى عنهم الجميع بمن فيهم العلماء الذين فضلوا تكييفات الخليج وريالاته على غيطان الفلاحين، وقطعوا حبالهم السرية لكى يرضعوا الهامبورجر والكاتشاب!!!.

 - يقول د.مستجير " فى جوف كل عالم شاعر هو الذى يأخذه إلى طريق الأحلام والأوهام ليخلق منها علماً حقاً، لاعلم بلاخيال، ولاشعر بلاخيال، وشطحات الشاعر هى نفسها شطحات العالم "، وعاش الشاعر بداخل العالم د.مستجير يداعبه من حين إلى آخر، وظل الشعر الرومانسى هو الجزيرة التى يتمدد العالم مسترخياً على رمالها، خالعاً كل طبقات التكلس التى تريد خنق مشاعره، ومن فرط حبه فى الشعر إبتكر وزناً جديداً فى كتاباته العروضية التى أزعجت التقليديين ممن يتبنون نظرية ليس فى الإمكان أبدع مماكان، أثبت لهم الحكيم الطفل بأحلامه العريضة التى تسع الكون أنه فى الإمكان دوماً أبدع مما كان،
 وأظن أن دهشتكم لن تقل عن دهشتى إذا تخيلتم هذا العالم الجليل وهو فى معمله يتعامل مع الخلية بكل غموضها وجلالها وهو يردد فى نفس الوقت هذه الأبيات الشعرية البديعة:
لو رمنا نبكى كل الأزهار الذابلة
بدرب العمر لماإسطعنا
لكن هناك لكل منا زهرة
يرويه سره
يخشى لماتذبل أن تذروها الريح
يحضنها.. يندبها.. يذرف دمعه
يشعل شمعه
ويرتل من أنغام الناى صلاته
ثم يوسدها فى صمت قلبه
ويعيش بقية عمره يحمل جثته فى صدره

يقول الدكتور أحمد مستجير: لحسن حظي أن زوجتي امرأة عظيمة تعرف كيف تدفعني للأمام، رغم أنها أوربية التقيت بها أثناء دراستي هناك وتزوجتها عام 1965، فإنها لم تتردد لحظة في ترك بلادها من أجلي، إن من أسرار نجاحي وجود مثل هذه الزوجة في حياتي، فإذا كانت عمادتي لكلية الزراعة استمرت 9 سنوات فإن زوجتي عميدة حياتي لأكثر من 35 عاما.



 - بكيت بعد قراءة قصيدتك يا د.مستجير وتمنيت أن تصل دموعى إلى نفس درجة نقاء وصدق دموعك، ولك منى كل الحب وأعدك ألا تذبل زهرة الأمل أو تنطفئ شمعة الأمنيات فقد تعلمنا منك حرفة التفاؤل حتى ولو كان الواقع مريراً

*( منشور فى جريدة إيلاف )


- - - - - - - - - - - - -
موضوع ذى صلة:
    - مستجير.. فى ذكرى عالم حقيقى





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق