الجمعة، 12 أكتوبر 2012

"الأبدية ويـوم واحـد"..(الفيلم)




من الصعب الكتابة عن هذا الفيلم الطويل (أصلاً) أو تحليل مشاهده الكثيرة, وكل الكتابات عن الفيلم تختلف فى عرضها وفهمها للفيلم وقصته لكنها جميعاً تتفق أنه ليس مجرد تحفة فنية, بل حدث إستثنائى فى تاريخ السينما
وهو أمر محزن فهو غير معروف كثيراً عندنا ومحزن عندما تجد بعض الأفلام الهوليودية التى هى مجرد هراء تطغى على شهرة فيلم مثله (أو غيره طبعاً) 

  الفيلم ببساطة ليس من نوعية الأفلام التى نعتادها ونعرفها وليس ثمة حدث ممتد أو خط درامى واضح وواحد يمتد طولاً أو عرضاً خلال زمن الفيلم.. بل كل مشهد فى الفيلم هو لوحة فنية تـُذكرك بأعمال "إدوارد هوبر" أو "كاسبار ديفيد فريدريش" وتفوقها جمالاً فى بعض الأحيان بما تضيف من متعة بصرية خالصة تمتزج فيها الصورة مع الموسيقى التى لا تقل جمالاً عن الفيلم ككل مع النص المتدوال كقصيدة من الشعر الفرنسى الرمزى أو السريالى, لتصنع فى النهاية حالة فنية مدهشة مُلهمة..
بجانب أنه فيلم فلسفى وفكرى بالمقام الأول, سواء فى طرحه لموضوع أثير عند الجميع (الذكريات) أو مسألة معقدة أعيت الجميع فكراً وأعنى الحياة وأزمة الإنسان الوجودية.. هو فيلم وجودى لكنه - كفلسفة وفكرة - يعرضها بكل بساطة وكل جمال.. ومن النادر ألا يتأثر بالفيلم من يشاهده

I am: yet what I am none cares or knows
My friends forsake me like a memory lost,
I am the self-consumer of my woes -
They rise and vanish in oblivious host,
Like shadows in love’s frenzied, stifled throes-
And yet I am, and live – like vapors tossed
- John Clare

 "ألكسندر" ( بطل الفيلم ) كاتب خمسينى أو ستينى, وحيد, أرمل, أنفق سنوات عمره فى البحث عن تكملة قصيدة لم يُكملها الشاعر اليونانى "ديونيسيوس سولوموس" الذى عاش فى القرن التاسع عشر منفياً فقد خلالها -الشاعر- معانى الكلمات وضاعت منه لغته وراح يبحث عن الكلمات ويشتريها فيعطى بنساً لمن يعلمه أو يدله على كلمة جديدة حتى ينهى قصيدته التى لم تكتمل ابداً!!..
ويصبح ألكسندرنفسه صورة مماثلة من شاعره, فيمضى طوال اليوم الذى هو زمن أحداث الفيلم, تائهاً وجائلاً خلال الشوارع وعبر الطرقات وبإمتداد الشاطىء يُفتش عن ذكرياته الماضية التى تتداخل مع واقعه الحاضر.. باحثاً ومستكشفاً لحياته وذكرياته مع زوجته ومع فرصه الضائعة حتى يقابل بالصدفة طفلاً ألبانياً, وفى نفس الوقت مهاجراً غير شرعياً.. يساعده فى الإختباء من الشرطة, ليبدو بعدها كما لو كان ألكسندر فى حاجة للطفل أكثر من حاجة الطفل لمساعدة ألكسندر..

 كل هذا كلام عادى وبالطبع ثمّة أحداث ووقائع ليست بالكثيرة طبعاً مثل الأفلام العادية (كحواره مع إبنته أو صديقه الوحيد وجاره فى نفس الوقت, الذى لا يراه أبداً وحوارهما عن طريق الموسيقى...) لكن المخرج يعطي كل ذلك أولوية ثانية,
الفيلم ليس عن الحدث أكثر مما هو عمّا وراء الحدث وليس عن القصة أكثر مما هو عن تفاصيل غير معلنة خلف القصة نفسها
أو بمعنى آخر, ليس الفيلم عن الأبدية لكنه عن يوم واحد يجعل الأبدية نفسها لا شىء مهم أو على أقل تقدير يتساءل ماهى الأبدية بالتحديد !!

  الغربة والوحشة الوجودية
(من أجمل مشاهد الفيلم, عندما يصحب ألكسندر الطفل إلى ضباب الحدود ليعيده إلى بلده)

ونلحظ ذلك فى طربقة عمل الفيلم نفسه وحركة الكاميرا وشكل المشهد.. الفيلم أشبه بكتلة تذكّر متدفقة أو رحلة مكثفة فى عقل ألكسندر وذكرياته عبر مشاهد شديدة الجمال, كأن كل مشهد لوحده لوحة فنية, وبكاميرا تنتقل بنعومة وببطء شديدين..حتى مشهد الفرح فى الشارع, مشهد يجدر أن يكون مبهجاً و راقصاً لكنه يمضى بطيئاً والعروسين كما لو كانا فى أحد الطقوس الغريبة لحدث  حياتى غامض مجهول!! ..

من المشاهد الأروع, مشهد الباص.. عندما يصعد إلى الأتوبيس أحد المحتجين وبيده علم أحمر (هل يقصد وهج وثورة الشيوعية) لكن المشهد  والباص يمضيان ببطء ومعه تخفت أصوات المحتجين بالخارج وتزحف الموسيقى بهدوء داخل المشهد لتتوقف ثانية فى المحطة التالية, وتصعد ثانية فرقة موسيقى صغيرة وتبدأ بالعزف وبينما غط صاحب العلم الأحمر فى النوم, وإنشغل محصل التذاكر بعمله,وحده ألكسندر والطفل ينصتان لعزف الفرقة وهما يواجهان الكاميرا أو يواجهان المشاهد نفسه.. ليس مشهد فى فيلم, بل مشهد من الحياة..!! 
وفى مشهد آخر, سريالى رائع, يقابل الشاعر نفسه الذى يتلو عليه بعضأً من شعره

   
 لا شىء يستحق العجلة ومتعة الذكرى الممزوجة بالشجن تستحق تريثأ والمخرج  كأنما إختار هذا اليوم بالتحديد السابق لذهاب ألكسندر للمستشفى وهو يبدو غير عابىء بمرضه أو بيومه الأخير
كأنما يريد أن يقول أن حياة المرء لا تنتهى فى المستشفى أو يُنهيها المرض أو الموت, بل ذكرياته هى ما تفعل والنهاية تأتى بإختيار المرء نفسه,

 وأزمنة الفيلم تتداخل مع بعضها كأنك فى حلم سريالى.. يبدأ الفيلم بـ"ألكسندر"وهو طفل صغير ليتحول بعدها إلى الحاضر ثم ينتقل ثانية إلى عصر الشاعر اليونانى فى القرن التاسع عشر فى تدفق وإنسيابية, ومع الموسيقى الرائعة فى الخلفية لا تلحظ أنك تشاهد حياة ألكسندر نفسه بقدر ما تشاهد الحياة فى مُجملها !!
 
وصف النقاد الفيلم بأنه تحدياً لمفهوم السنيما, وآخرون وصفوه بأنه أشبه بلمحمة حديثة لهوميروس

 " الأبدية ويوم"
 هو عنوان الفيلم.. وقد تكون خلاصة رحلة الحياة , كما تصوّرها المخرج الفيلسوف صانع الفيلم "ثيو أنجيلوبولوس" ( والذى توفى فى يناير الماضى فى حادثة سير عبثية) وإستحق عليه سعفة "كان" الذهبية بكل جدارة, وهو صاحب فكرة الفيلم وكاتب قصته أيضاً

الفيلم يحوى فناً وجمالاً ويحوى فلسفة وفكراً ويحوى إلهاماً
وإن لم تكن شاهدت هذا الفيلم, فإنسى إنك شاهدت سينما وشاهده

 


الخميس، 11 أكتوبر 2012

"الأبدية ويـوم واحـد"..(الموسيقى)



كنت أتساءل لماذا ينعدم أو يندُر تواجد النساء فى مجال التأليف الموسيقى سواء الكلاسيكى أو الموسيقى التصويرية (فالرجال يحتلون هذا المجال, وأسماء مثل "إنيو موريكونى", "هانس تسيمر" , "فانجليس" , "جون وليامز" أو  الحديثين كـ "كلينت مانسل" أو "يان تيرسن " كلها أسماء شهيرة لرجال وبعض أعمالهم الموسيقية أشهر من الأفلام التى إحتوت تلك الأعمال..
هل لأن الموسيقى وإن كانت تبدو شاعرية وعاطفية عندما نسمعها, لكن تأليفها وفك أسرار نغماتها هو عملاً مقدساً, يحتاج إلى صرامة الآلهة اليونانية وجديتهم (ولو تذكرنا أغلب الأعمال الموسيقية الأكثر شاعرية, سنجد وجوه مؤلفيها فى منتهى الحدة والصرامة وهى تعابير بطبيعة الحال لا تتناسب مع رقة المرأة أو عاطفيتها ) !!
لست متأكداً ولم أهتم بالتساؤل كثيراً حتى شاهدت الفيلم اليونانى "الأبدية ويـوم" للمخرج العبقرى "ثيو أنجيلوبولوس"
  والحقيقة أننى "سمعت" هذا الفيلم قبل أن أشاهده.. فقد إكتشفت الفيلم أولاً عن طريق جزء من موسيقاه التى  سمعتها صدفة ذات يوم , لأدمنها (وأدمن الفيلم نفسه) بعد ذلك لفترة غير قصيرة و تصبح طلباً مُفضلاً لمزاجى كل مساء..
 وأجد أن المرأة لا تقل تفوقاً عن الرجل بل ربما فاقته شاعرية وجمالاً فى تأليف الموسيقى, والمثال كان فى موسيقى هذا الفيلم التى أبدعتها صاحبة الإسم والروح اليونانية! " إيلين كارايندرو"


ورغم أنها درست الموسيقى بشكل أكاديمى فى اليونان وبعدها فى فرنسا, لكن عندما تسمع موسيقاها لا تشعر أبداً بأى حس أكاديمى أو مصطنع مثل آخرين.. موسيقاها تنساب بتلقائية ورشاقة فاتنة و..شجن!
معظم موسيقاها بالفعل موسيقى حزينة لكنها ليست موسيقى سوداوية تبعث فيك الكآبة أبداً ولا يُقصد منها ذلك, بل هى موسيقى دافئة تدفعك أكثر للتأمل و تنير بداخلك درباً نحو الذكريات البعيدة وإحساساً بالحنين أو النوستالجيا . ويكون يوم واحد من الذكريات مساوياً للأبدية أو هو الأبدية نفسها!
, شبّه بعض النقّاد موسيقاها بأشعار الصوفيين التى تحتوى على الموسيقى والشعر فى ذات الوقت
لهذا لم يجد أنجيلوبولوس أفضل منها للتعبير موسيقياً عن أفلامه المهمومة بعالم الذكريات والحنين وفرص الحياة الضائغة أيضاً, والأبدية ويوم هو المثال الأبرز والأجمل لروح موسيقاها وروح أفلامه.
 وهو ليس الفيلم الوحيد الذى تعاونا فيه, فتعاونهما إمتد منذ عام 1982 حتى وفاته فى يناير هذا العام



لم أنتوى أن أكتب هذا الموضوع عنها بالتحديد أو عن موسيقاها المدهشة لكنى قصدت التذكير بالفيلم, لكن كما أن فى الأصل كانت الموسيقى.. وأن الأذن تعشق قبل العين أحياناً!!.. ومع أن العادة أن الحديث عن الموسيقى يأتى بعد الفيلم نفسه لكن لا أعتقد أن ذلك ينطبق على موسيقاها, فهى فى حد ذاتها حالة لوحدها وجمال خالص.. وجدت أنها تستحق وموسيقاها تعريفاً قبل التعريف بالفيلم ومخرجه أو الكتابة عنه فى موضوع آخر منفصل, ..

(الأوركسترا تعزف موسقاها وهى تعزف على البيانو)

(جزء من موسيقى الفيلم)

- - - - - - -
-يمكنك سرقة العديد من ألبوماتها بكل إعتزاز من هذا التورنت, هنا :
- - - - - - - - 
- "الأبدية ويـوم واحـد"..(الفيلم)


السبت، 6 أكتوبر 2012

الجهاد بالمؤخرة !!



 هذا سؤال من أحد الغيورين على دينه, الراغبين فى الجهاد والتضحية بحياته في سبيل رفعة الإسلام وإعلاء كلمته, يقول أن أمير جماعته الجهادية أقنعه بتسليم مؤخرته لأحد زملائه من المجاهدين الأشداء لينكحها ويمارس معه اللواط بهدف توسيع مؤخرته، وذلك تمهيداً لحشوها بالمتفجرات وإرساله في نوع مبتكر وجديد من العمليات الجهادية بفضل الله

وجاء الجواب: "الأصل أن اللواط مُحرم ولا يجوز، غير أن الجهاد أولى ، وهو "سنام الإسلام" وإذا كان سنام الإسلام لا يتحقق إلا باللواط فلا بأس فيه.. فالقاعدة الفقهية تقول: إن الضرورات تُبيح المحظورات، وما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب ، وليس هناك أوجب من الجهاد، وعليك بعد أن يُلاط بك أن تستغفر الله وتكثر من الثناء عليه، وتأكد يا بني أن الله يبعث المجاهدين يوم القيامة حسب نياتهم، ونيتك إن شاء الله يا بني نصرة الإسلام.. نسأل الله أن يجعلك ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه


- - - - -
   لا أحب فى العادة أن أنشر أو أكتب عن هذه الموضوعات لما تثيره من قرف وإشمئزاز لدىّ أكثر مما تثير إحباطاً وفقدان لأى أمل فى أى تغيير يمكن أن يحدث لنوعية البشر المعاتيه التى تؤمن بهذه السفالات والمعتقدات المنحطة.. معتقدات وفتاوى وأفكار تبدو غريبة جداً لبعض المسلمين أنفسهم لكنها مع ذلك, لا تخالف شرع ربهم ونصوصه وأوامره
لكن دوماً مع المسلمين, توقع الجديد.. فعقولهم المنحطة لا تتوقف عن إنتاج الإنحطاط .. إنها علامتهم التجارية وسبقهم الفكرى

الجمعة، 28 سبتمبر 2012

العلمانيـة هى الحل



  ربّوا أطفالكم على إحترام الإنسان مهما كان. فهو فى مظهره مختلف لكنه فى الجوهر إنسان
ربّوهم على إحترام إختلاف الآخرين وتنوّعهم 
 على تقديس معنى الحرية والحياة
 على إستعمال العقل والمنطق
 وتعلّم معنى الشك والنقد وتعوّد مواجهة الفكرة بالفكرة
وتقبّل نسبية الحقائق وإحتمالية المفاهيم

 ربّوهم على قيم العلمانية,
 ليس لأنكم لفرون تزرعون فى عقولهم نفس الأفكار التى أثبتت فشلها وعدم جدواها أو ملائمتها لهذه الحياة وهذا العصر
 وليس لأن العلمانية أثبتت أنها الطريق الصحيح والأمثل لصحوة العقل الحر ونهضة الأمة الحقيقية
وليس لأنها الضامن الأكبر لحرية الجميع وسعادة الجميع والعدالة بين الجميع

ليس لكل ذلك فحسب, 
  بل ربّوهم على قيم العلمانية لأن ذلك أوّل وأبسط حقوقهم عليكم
 فليست عقولهم ملك أيمانكم تشكلونها وتنحتونها كمل إرتأت أهوائكم
وليست حياتهم ملك شمائلكم تقيموا حولها سياجاً وسجناً لا يفارقهم
 فى تكرارية لم تتوقفوا عنها لقرون لتدركوا أنها لم تصنع شيئاً أو تُضف جديداً 

ربّوهم على العلمانيـة , فالعلمانية هى الحـل
 وتأسيسها منذ الصغر هو الأمل لكم ولهم

الخميس، 27 سبتمبر 2012

الصبى "دييجو" عازف الكمان



 هذه الصورة وجدتها بالصدفة فى أحد المواقع والتى يبدو بدورها أنها أخذت صدفة فى مكان ما غير مهم.. صورة من الصور التى يمكن أن نسميها شعبية ويحلو لنا تداولها وقراءتها للحظة ثم تمريرها, لكن هذه الصورة لا شك تستوقف من يراها.. ولا أعتقد أننى رأيت صورة مشابهة لها من قبل!!
   صبى ملوّن.. يمسك بكمان.. ويبكى
وكل هذا الحزن وتلك البراءة على وجهه فى وقت واحد..
لماذا يا ترى , وكيف يكون كل هذا فى مشهد واحد؟!!.. 
هل إندمج مع موسيقاه الحزينة إلى هذه الدرجة؟  
أم هو ببساطة يعزف مجبراً وأستاذه ربما قد عاقبه للتو لكن عينا الصبى ووجهه لا يبدو حزين من ألم القهر أو  العقاب.. بل تبدوا عينيه محدقتين فى نغمات كمانه .. إنها الموسيقى
ثم ترى وجه الطفل الأبيض خلفه, فلا يمكن أن تفهم سوى أن الموسيقى هى ربّة هذا الوجود بحق وجامعة البشر على إختلافهم 

 أحاسيس ومعانى كثيرة تستولى عليك وأنت تشاهد هذه الصورة رغم بساطتها وقلة حرفيتها وجودتها لكن المؤكد أنها تدفعك أكثر لتأملها 

 دفعنى الفضول للبحث أكثر عن تفاصيل ربما تكون وراءها, لأفاجىء بعد حمد جوجل والصلاة على أوبشناته, أنها صورة شهيرة ومعروفة إعلامياً. أو بمعنى أدق معروفة لاتينياً وبالأخص فى البرازيل
  الصبى صاحب الصورة إسمه "دييجو فرازو توركواتو" وأُشتهر بإسم "دييجو عازف الكمان" مولود فى البرازيل عام 1997 وتوفى عام 2010..
كان عازف كمان فى فرقة موسيقية تعزف موسيقى الرايجاى وأصبح "رمزاً للأمل فى الصراع ضد مرض اللوكيميا ورمزاً للسخط ضد جرائم القتل التى ذهب ضحية واحدة منها قائد الفرقة التى يعزف فيها"
نشأ فى جو موبوأ بالمرض والإجرام ومنذ طفولته (وسنوات عمره كلها طفولة)أصيب بأمراض عدة منها الالتهاب السحائى, لكنه لم يفقد حماسته وشغفه بالموسيقى ابداً.. كان يحضر تدريبات الفرقة الموسيقية حتى أصبح بعدها نجم الفرقة وأحد المشاهير إعلامياً
كانت السنة الأخيرة له فى الحياة عندما أصيب بمضاعفات بعد جراحة فى الزائدة الدودية فى نفس الوقت الذى كان يُعالج فيه من اللوكيميا ورقد فوق سرير المستشفى تحت رحمة أجهزة الإنعاش حتى توقف قلبه تماماً

 أُلتطقت الصورة عندما كان يعزف فى جنازة قائد فرقته الموسيقية..


«دستور مفاخذة الصغيرة»: العهد القديم يعرِّض بنبى الله لوط



 
بكيبورد: خالد البرى
- - -
الصياغة القانونية حرفة. اقرئى هذه المادة المستحدثة فى دستور «مفاخذة الصغيرة» الذى يكتبه لنا قادة الأميين: «الذات الإلهية مصونة يحظر المساس أو التعريض بها، وكذا ذوات أنبياء الله ورسله جميعا، وكذلك أمهات المؤمنين، والخلفاء الراشدين».
أعلم أن هذه المادة ستثير للوهلة الأولى تساؤلات إذا اعترضتِ عليها، وستواجهين بتشكيك فى نيتك. لكن الحقيقة أنها أحد أبرز مواد الدستور تعبيرا عن العقلية الأمية التى صارت تحكمنا والتى لا تعى معانى الكلام، ودلالاته، إنما تأخذ بظاهره.
(١)
هل يمكن أن يفهمنى السادة الأفاضل معنى كلمة الذات الإلهية بألف ولام التعريف التى وردت فى هذه المادة؟ أى ذات إلهية؟ هل الرب يسوع المسيح -حسب عقيدة المواطنين المصريين المسيحيين- مصون من التعريض به طبقا لهذه المادة، بصفته هذه؟ هل الذات الإلهية للمواطنين البهائيين المصريين مصونة من التعريض؟ وهل التعبير عن الذات الإلهية على طريقة الصوفية يعتبر تعريضا بها؟ أم أنكم تعنون الذات الإلهية، حسب ما شرحتها العقيدة الطحاوية السلفية، بلا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل؟ الألف واللام تعنى شيئا متفقا عليه!!
إن مادة كتلك ستفتح بابا لا يغلق من الفوضى القانونية، من اضطهاد التنوعات داخل الإسلام السنى نفسه، فضلا عن الشيعة والأديان الأخرى. ولن أتحدث عن التراث الأدبى القديم الذى ستستخدم ذريعة للتخلص منه. أعلم أن الكتب لا تعنيهم شيئا.
(٢)
تخيلى أنك سافرت للعمل فى الخارج عدة سنوات. حين عدت وجدت ملصقا على باب بيت العائلة يقول: «يحظر التعريض بالأب فى هذا البيت». ماذا يتبادر إلى ذهنك؟
لو كنت مكانك لاعتقدت أن هذا البيت خرب، وأن وضع أبى تدنى فيه جدا. بصراحة، حتى لو كان هذا قد حدث، فإن الأمر يحتاج إلى عائلة من الحمقى لكى تضع ملصقا كهذا يقول للمارة «إننا فى هذا البيت لا نحترم أبانا من تلقاء أنفسنا، ووفق قيم متعارف عليها فى ما بيننا. بل إننا نحتاج إلى إجراءات تنفيذية لكى نجبر من فى البيت على معاملته معاملة حسنة». أما ماذا سيقول الغرباء، فهذه قصة أخرى.
إن مادة كهذه توجه أكبر إهانة لإله. أى إله هذا الذى يحتاج إلى مادة فى الدستور لكى يُحتَرَم؟ هذا أولا. ثم إننا عشنا قبل هذا، مئات السنين، متى تعرض أحد للإله بإهانة! حتى الملحدون فى مصر يحترمون إله المؤمنين من باب اللياقة المجتمعية، من باب الذوق الحضرى المعتاد. لماذا تريدون أن تتعاملوا مع الناس بفلسفة الإقطاعى مع عمال السخرة؟ لماذا تستكثرون على الناس التعبير عن حسن «أخلاقهم» بالدافع الشخصى!! هذه الجملة الأخيرة ليست جملة بلاغية عارضة، بل جملة مقصودة تماما كفارق أساسى بين فلسفتين فى النظر إلى الإنسان، وبالتالى النظر إلى المجتمع. فلسفة تعتبر الأفراد راشدين عاقلين، وأخرى تعتبرهم لا يحسنون التصرف إلا بسوط الرقيب.
(٣)
نأتى لبيت القصيد. أكاد أجزم أن الجزء الخاص بالذات الإلهية -على المشكلات التى سيسببها قانونيا- مجرد ديباجة وضعها الإسلامجية. وكل ما ينطبق عليه من تساؤلات طرحتها فى البندين السابقين ينطبق على صيانة ذوات «الـ» أنبياء (هل سيمنع الإسلامجيةُ العهد القديم لأنه يعرِّض بنبى الله لوط؟!!). أما بيت القصيد الذى صيغت هذه المادة من أجله فهو الجزء الخاص بالخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين. الإسلامجية يعتقدون الآن أن «الأعداء» اختفوا من الدنيا، إلا المسلمين الشيعة. هذا أولا. ثم إنهم لا يريدون أى مراجعة «تاريخية» لنسخة التاريخ الإسلامى التى يقدمونها. والتى لا يقتنع بها عاقل. وهذا ما تفتقت عنه أذهانهم لفرضها، لكى يستطيعوا أن يفرضوا علينا تمجيدها فرضا، ويخلقوا أمة من الأميين القابلين لأى شىء.
أما المدنيون فى لجنة الدستور.. فعايز أقول لكم الكلمة القبيحة التى تستحقونها، لكننى لا أجدها فى القاموس. أعجزتم قبح الكلمات.
- - - - -
- منشور فى جريدة التحرير
* الصورة من فريسكو خلق الشمس والقمر للفنان ميكلانجلو

(فقط أحب أن أُضيف أن الإله الذى يتوجّب الدفاع عنه, هو إله ضعيف لا يستحق أن يُعبد)